فى أوروبا والدول المتقدمة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:39 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

فى أوروبا والدول المتقدمة

نشر فى : الخميس 7 مارس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 7 مارس 2013 - 8:00 ص

فى فيلم عادل إمام الشهير «الإرهاب والكباب»، التقى أحمد بطل الفيلم مع مواطن سودانى فى مجمع التحرير، ودأب هذا المواطن على ترديد جملة «فى أوروبا والدول المتقدمة»، كلما أراد مقارنة سلوك لا يعجبه بآخر فى دول العالم المتقدم.

 

لأول وهلة سيثور فى ذهن القارئ سؤال عن علاقة هذا الاقتباس من فيلم عادل إمام بموضوع المقال الذى سوف ينصب على دور المحكمة الدستورية العليا فى الرقابة على دستورية القوانين بموجب الدستور الجديد. وردى هو أن العلاقة تكمن فى أن أعضاء الجمعية التأسيسية دأبوا على تكرار مقولة تفيد اطلاعهم على أكبر عدد من دساتير العالم، من الولايات المتحدة إلى البرازيل، ومن تركيا إلى جنوب أفريقيا. وزاد بعضهم فقال إن الدستور المصرى هو أعظم دستور فى التاريخ، هكذا بألف ولام التعريف، وهنا أنا أحاججهم بالرجوع إلى دستور فرنسا ليس فيما يخص الحقوق والحريات فالبون شاسع، لكن فى الشق المتعلق بتمكين المجلس الدستورى الذى يناظر تقريبا المحكمة الدستورية العليا، تمكينه من ممارسة رقابة سابقة حقيقية على دستورية القوانين، وليست رقابة على الورق من باب إبراء الذمة كما حدث عندنا فى التعاطى مع قانون انتخابات مجلس النواب وبحصانة كاملة يوفرها دستور مصر بعد الثورة.

 

وكما هو معلوم فإن المادة 177 من الدستور قد قصرت رقابة المحكمة الدستورية العليا، فيما يخص القوانين المتعلقة بالانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية، على مرحلة ما قبل إنفاذ تلك القوانين وإعمالها، وهو ما يعرف باسم الرقابة السابقة. حتى إذا ما وقع رئيس الجمهورية أيا من القوانين المذكورة خرج عن اختصاص المحكمة، ولم يعد بالإمكان الطعن فى عدم دستوريته. وعندما شرعت المحكمة الدستورية العليا فى مباشرة اختصاصها المذكور، وسجلت مجموعة من الملاحظات على قانون انتخابات مجلس النواب، أبرزها ما يتعلق بتقسيم الدوائر الانتخابية على غير مقتضى نص المادة 133 الذى اشترط اعتماد عدد السكان وليس عدد الناخبين فى تقسيم الدوائر، ما كان من مجلس الشورى إلا أن أدار ظهره لتلك الملاحظة الجوهرية. أولا بمواصلة الاعتماد على معيار عدد الناخبين لا عدد السكان الأمر الذى جعل محافظتين كالاسماعيلية ودمياط مثلا تتقاربان فى عدد السكان وتختلفان فى عدد المقاعد. ثانيا بإهدار المصلحة العامة فى التقسيم الجغرافى للدوائر الداخلة فى تشكيل المحافظة الواحدة، كما حدث مثلا فى ضم السلام إلى مصر الجديدة فى الدائرة الخامسة الأمر الذى يجعل من الصعوبة بمكان أن يتمكن النائب من تمثيل هاتين المنطقتين فى الوقت نفسه. لكن لأنه لا يوجد فى نص المادة 177 من الدستور ما يلزم رئيس الجمهورية بإعادة مشروع القانون إلى المحكمة الدستورية العليا للتأكد من استيفاء ملاحظاتها، ولأن العجلة هى طابع إصدار القوانين بل والدستور نفسه، قام الرئيس بإصدار القانون بعد يوم قضاه مجلس الشورى فى محاولة تجميل المشروع الذى رفضته المحكمة الدستورية العليا. بالطبع يمكن لاحقا للمتضررين من تقسيم الدوائر أن يطعنوا أمام مجلس النواب الذى يحيل شكاواهم إلى محكمة النقض لتحرى مدى توفر شروط الترشح، وهو ما قد يؤدى إلى إبطال العضوية فى دائرة أو أكثر. لكن ما الضير فى ذلك؟ نحن دأبنا على وضع العربة أمام الحصان، ونسخ الإجراءات والقوانين الباطلة بأخرى لا تقل بطلانا وعوارا.

 

•••

فإذا ما انتقلنا إلى المجلس الدستورى الفرنسى، وجدنا أنه كان يتمتع، حتى تعديلات دستور 1958 فى عام 2008، برقابة سابقة فقط على دستورية القوانين. واعتبارا من تاريخ التعديلات المشار إليها أصبح له بنص المادتين 61 و62 الحق فى ممارسة الرقابة اللاحقة إضافة إلى السابقة. والجدير بالذكر أن المجلس الدستورى الفرنسى يباشر النظر فى مدى دستورية القوانين بناء على: طلب رئيس الجمهورية، أو الوزير الأول، أو رئيس أىٍ من غرفتى البرلمان، أو 60 نائب من أى من هاتين الغرفتين. ويقضى العرف الدستورى الفرنسى بأنه بافتراض أن البرلمان قد وافق على مشروع القانون، وبافتراض أن رئيس الجمهورية نفسه لم يكن لديه اعتراض على هذا المشروع، فإنه لا يوقع أو يبادر بإصدار القانون إن نما لعلمه أن النواب قد شرعوا فى تجميع ال 60 توقيع المطلوبين للطعن فى دستورية القانون أمام المجلس الدستورى. يتمهل الرئيس الفرنسى حتى يُمكن المعترضين على مشروع القانون من استيفاء الشرط اللازم للطعن فى دستوريته، ولا يسابق الزمن ويسرع فى إصدار قانون يجأر فقهاء قانونيون بالشكوى من عدم دستوريته.

•••

فارق كبير بين أن تكون الدستورية مجرد ديكور لإسباغ مشروعية زائفة على النظام، وبين أن تكون هذه الدستورية أداة لحماية دولة القانون. وعندما يتريث رئيس الجمهورية الفرنسية فى إصدار القانون ليمكن الأقلية البرلمانية من جمع التوقيعات وتسجيل اعتراضها، فإنه يسعى هنا إلى موازنة السلبيات التى قد تنتج عن ديكتاتورية الأغلبية البرلمانية. هل أزيد؟ إن إضافة الرقابة اللاحقة لاختصاصات المجلس الدستورى الفرنسى فى تعديلات 2008 تعنى أن بإمكان من لم تُتح له فرصة اكتشاف عوار القانون قبيل تطبيقه أن يطعن فيه أمام المجلس بعد التطبيق، ومع ذلك أى مع أن الدستور الفرنسى يعطى فرصة ثانية لمراجعة مدى دستورية القانون إلا أن هذا لا يجعل رئيس الجمهورية يتعجل فى إصدار القوانين بدعوى أنه يمكن الطعن فى دستوريتها لاحقا، أما فى مصر فهناك فرصة واحدة فقط لمراجعة دستورية القوانين الانتخابية قبل إصدارها، ورغم ذلك فإن رأس السلطة التنفيذية يسابق الريح ويضع الجميع أمام الأمر الواقع شاء من شاء وأبى من أبى. هل أضيف أكثر؟ إن المجلس الدستورى الفرنسى يتسع نطاق عمله كثيرا عن المحكمة الدستورية العليا فى مصر، فيشمل مراقبة الانتخابات والاستفتاءات الدستورية، ويباشر مراقبة دستورية المعاهدات الدولية، ويتحرى أيضا مدى دستورية لوائح البرلمان. وللعلم فقط فإن اللوائح الداخلية للبرلمان المصرى التى تتعلق بشروط تشكيل اللجان ورفع الحصانة وتنظيم الاقتراع...إلخ لا تخضع لأى رقابة قضائية بدعوى فصل السلطات. ومؤدى هذا أنه بقدر ما يتسع نطاق اختصاص المجلس الدستورى الفرنسى تتسع أيضا قائمة الموضوعات التى يمكن الطعن فى عدم دستوريتها أمامه، وفى هذا بالتأكيد ما يوفر الاطمئنان إلى سلامة القاعدة الدستورية للمنظومة القانونية برمتها.

•••

يحدث فى أوروبا والدول المتقدمة أن ينظروا إلى الانتخابات كوسيلة، ويحدث فى مصر والدول شبه الديمقراطية أن ينظروا إلى الانتخابات كغاية فى حد ذاتها، وطالما وجد هذا الفارق فإن مسألة الدستورية من عدمها ستظل لدينا مجرد وجهة نظر لا أكثر ولا أقل.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات