يا نُخَبنا السياسية رفقا بالجماهير - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:32 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

يا نُخَبنا السياسية رفقا بالجماهير

نشر فى : الخميس 7 يونيو 2012 - 8:40 ص | آخر تحديث : الخميس 7 يونيو 2012 - 8:40 ص

المأزق السياسى والدستورى الذى تمر به مصر هو ناتج الانفصال بين مسارى الثورة والسلطة منذ 11 فبراير 2011 وحتى تاريخه، فلا الثورة نجحت فى استلام السلطة، ولا السلطة إستوعبت مطالب الثورة وعبرت عنها. انظر حولك ولن تجد رموز الثورة فى السلطتين التنفيذية والتشريعية إلا كآحاد، طالع تشكيل المجلس الاستشارى والجمعية التأسيسية فى صورتها الأولى وسوف تجد بالكاد بعض الوجوه التى طالعتك فى الميدان أو التى لها تاريخ سياسى فى التمهيد للثورة، تأمل خريطة الأحزاب السياسية ولاحظ كيف أن أكثر من عام مضى قبل أن ينجح حزب مصر الحرية فى استيفاء أوراقه نتيجة العراقيل المنثورة على طريق تشكيل الأحزاب السياسية، وأخيرا إرجع إلى قائمة مرشحى الرئاسة وتبين من دخل منهم فى التصفيات النهائية وإلى أى مدى يمثلون الطموحات الثورية. الفارق بين السلطة والثورة أن السلطة محافظة تميل إلى الإصلاح وتأخذ بمبدأ التدرج، أما الثورة فإنها بحكم التعريف ضد استمرار الوضع القائم لا تعرف التدرج ولا تؤمن إلا بالتغيير الجذرى.

 

لن أخوض كثيرا فى أسباب هذا الفصام بين مسارى السلطة والثورة، فقط للتذكرة فإن من تلك الأسباب : مغادرة الثوار الميدان فور إطاحة مبارك، الإدارة بالأزمات التى مارسها المجلس العسكرى، انقسام الثوار وتشرذمهم، التفاهمات السياسية بين الإخوان والمجلس. لكنى معنية فى هذا المقال بتحليل أثر الصراع السياسى بين النخب الموجودة فى السلطة وتلك التى تحاول الوصول إليها، أثره على خلق حالة من الارتباك والتشوش العظيم لدى الجماهير وهى تجد الغموض يلف المستقبل أكثر فأكثر مع قرب المرحلة الانتقالية من نهايتها. وأعتبر ما جرى بعد النطق بالحكم فى محاكمة القرن ذروة التعبير عن هذا الارتباك السياسى وتقزيما لدور الجماهير إلى مجرد أصوات انتخابية يتم التنازع عليها.

 

●●●

 

وَظفَت كافة النخب السياسية محاكمة مبارك لأغراض انتخابية، وحملت على منطوق الحكم حملة شعواء، لكن بحكم اختلاف موقع تلك النخب من النظام السياسى (فى داخله أو فى خارجه) فلقد استخدمت حكم مبارك لتبرير الشئ ونقيضه فى الوقت نفسه : الدعوة من جهة للذهاب للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية والتصويت لمرشح بذاته لأنه الوحيد القادر على إصلاح حال البلد ومن ضمنه حال القضاء، والدعوة من جهة أخرى لرفض استكمال المسار الانتخابى لأن القضاء الذى لم يحافظ على نزاهة نتائج الجولة الانتخابية الأولى لم يتورع عن تبرئة قيادات الداخلية من قتل المتظاهرين. وعبر اختيار محمد مرسى مرشح الإخوان للرئاسة التوجه لوسائل الإعلام فور انتهاء المحكمة مقابل إسراع حمدين صباحى وعبد المنعم أبو الفتوح إلى ميدان التحرير لمخاطبة الجماهير، عبر ذلك عن طبيعة المسافة الفاصلة بين السلطة والثورة. وحتى عندما لحق مرسى فيما بعد بصباحى وأبو الفتوح فى الميدان ظلت المسافة بين النخبتين على حالها. حكى لى صديق عن مشهد دخول مرسى للتحرير وكيف أفسح له شباب الجماعة طريقا ممتدا من مسجد عمر مكرم حتى الصينية الشهيرة فيما كان أبو الفتوح يمشى على الأرض هونا وحمدين معتصرا بين الحشود.

 

فى مؤتمره الصحفى تعهد مرسى فور انتخابه بتكوين فريق يجمع أدلة حقيقية تدين المتهمين بقتل الثوار وتخريب الوطن وإفساد السياسة، وتعهد وهذا خطير بتشكيل دوائر قضائية من خلاله وبواسطة المجلس الأعلى للقضاء لإجراء محاكمات عادلة وناجزة وسريعة. ووجه الخطورة هو التدخل الغليظ ممن يُحتمل أن يكون رئيسا للسلطة التنفيذية فى عمل السلطة القضائية. ولإتمام دائرة دمج السلطات، هاجم أعضاء فى مجلس الشعب محاكمة مبارك، وتعجب زعيم الأغلبية من دعوة وزيرة التضامن الدولى لاحترام أحكام القضاء (تعجب !!)، ودعا لمرشح جماعته معتبرا أن من يتصور أن الشعب سيسكت على تهيئة المسرح السياسى لمرشح بعينه (يقصد أحمد شفيق) يكون واهما.

 

ومن داخل ميدان التحرير أطلق حمدين وأبو الفتوح وأيضا خالد على الدعوة القديمة – الجديدة لتكوين مجلس رئاسى لمدة عام يتم فيه وضع الدستور وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وبدء المرحلة الانتقالية من المربع صفر. ولأن وصف « المدنية» يجرى كثيرا على ألسنة الجميع هذه الأيام رفضا أو قبولا، أضيف هذا الوصف إلى اقتراح المجلس الرئاسى ليصبح مجلسا رئاسيا مدنيا. وهكذا اجتمعت النخبة الممسكة بالسلطة والنخبة التى تمثل روح الثورة على رفض منطوق حكم مبارك وعلى التمسك بتطبيق قانون العزل السياسى، لكنها اختلفت حول الموقف من العملية الانتخابية ومن المجلس الرئاسى المدنى لأن الأولى تحافظ على الوضع الراهن أما الأخرى فترفضه جملة وتفصيلا. جاءت مشاركة الإخوان فى ميلونية « العدالة « أول أمس بحجم ما يتفقون فيه مع ثلاثى حمدين وأبو الفتوح وخالد على وليس بحجم الوزن الحقيقى للجماعة فى الشارع المصرى.

 

الصراع بين السلطة والثورة مفهوم لكنه يُنبئ بعدم استقرار لأمد غير معلوم، ويلقى على المواطن العادى بسيل من الأسئلة المقلقة على مستقبل النظام السياسى الجديد ومن قبيلها : هل يجوز تطويع القانون للأغراض الانتخابية خاصة وأن مختلف النخب السياسية كانت لديها فرصة طيلة قرابة العام ونصف لتضغط من أجل وضع قانون للعزل السياسى وتنجح كما نجحت من قبل بالضغط لحل الحزب الوطنى ومحاكمة مبارك وإلغاء الطوارئ ؟. هل يمكن أن نطالب بمعايير للجمعية التأسيسية أو لأى تشكيل مؤسسى ونتجاهل وضع معايير لتكوين الفريق الرئاسى لأننا لو أعملنا معيار الثورية كان يجب ضم أبو العز الحريرى ولو طبقنا معيار الأصوات الانتخابية كان يجب إدخال عمرو موسى؟. هل يمكن لأى أحد مستقبلا أن يدافع عن شرعية الصناديق الانتخابية طالما لا نحترم نتائجها التى لا ترضينا بالضرورة ؟. هل يمكن أن نطمئن إلى قيام نظام سياسى يحترم فصل السلطات فيما كل شئ ينبئ بأننا سائرون فى اتجاه دمج أكيد للسلطات ؟. السؤال الأخير غاية فى الخطورة، وهو السبب المباشر فى دفع المستشار حسام الغريانى رئيس المجلس الأعلى للقضاء لتحذير الكافة ومجلس الشعب بخاصة من عدم احترام القضاء.

 

●●●

 

يترك إذن صراع السلطة والثورة الجماهير التى لا تنتمى أيديولوجيا إلى أى الطرفين فى حيرة من أمرها. ويضعها فى مواجهة العديد من الخيارات التى لا تستطيع أن تتخذ فيها رأيا قاطعا لأن كل طرف يدافع عن موقفه بعدد معتبر من الحجج والأسانيد، فلا تعرف الجماهير هل تختار المقاطعة أو المشاركة، المجلس الرئاسى الذى يكون أعضاؤه متساوين أم الفريق الرئاسى المكون من رئيس ونائبين بصلاحيات الأرجح أنها هزيلة. ويشغلها هذا الصراع فى هذا التوقيت القاتل عن القضية الأكبر والأهم والأجدر بأن نشتغل عليها جميعا ولا نتنازل فيها لأحد: قضية الدستور. مثل غالبية الشعب المصرى لا يرضينى المسار الانتقالى الذى شارف على الانتهاء وفى أيادينا قبض ريح، أكيد لست مع مسار السلطة الحالى، لكن السير فى مسار الثورة الثانية بينما أن كثيرين دفعهم التبرم من الثورة والثوار إلى التصويت لأحد رموز النظام السابق بهذه الكثافة مع كل التقدير لحجم الخروقات الانتخابية التى ما كان سيسكت عليها الإخوان لو أنها فارقت الواقع بشكل ملموس. أقول السير فى مسار الثورة الثانية فى هذا التوقيت لن يأتى بنتائج أفضل.

 

 لتبدأ أولا القوى الثورية بتوحيد جهودها ورص صفوفها، ولتضع خطة عمل للوصول إلى كل مواطن على أرض مصر وتنقل ساحتها من شبكات التواصل الاجتماعى إلى أرض الواقع، ولتحافظ على الثورة مستمرة حتى تتشكل الكتلة التاريخية اللازمة لإشعال ثورة جديدة أو تصحيح مسار ثورة يناير، وعندها فلن تنتظر الثورة إذنا من أحد وستكون تجربة ثورة يناير تجربة مُعلمِة.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات