ما إن مات المغنى الأمريكى الشهير مايكل جاكسون، أو ملك البوب كما يصفونه، حتى تسابق عشاقه من العرب المسلمين إلى إعلان أنه مات على دين الإسلام. فعلى الفور شكل نفر من هؤلاء منتدى على الفيس بوك للتأكيد على هذه الفكرة والدفاع دفاعا مجيدا عن جاكسون واعتبار كل ما قيل عنه محض افتراء.
بثقة العارفين بدخائل الأمور وخباياها أوجد محبو جاكسون أساسا لقصة إسلامه بالحديث عن ارتباطه العاطفى بفتاة مسلمة تدعى عائشة. وباتت قضية دفن الرجل على الطريقة الإسلامية واحدة من شواغل المترددين على هذا المنتدى.
هى لم تكن فى يوم من الأيام من جمهور مايكل جاكسون، فهو قد يكون أسطورة فى الغناء كما يقال لكنه الأسطورة التى لا تؤمن بها. فمن قبل أن يهين جاكسون العرب بقوله «لو أنى أعلم أن العرب يحبون صوتى ما غنيت» كانت قد قررت ألا تعطيه الفرصة لإهانتها فلم تحب غناءه ولا اقتنت أعماله.
فهى مثل معظم العاملين من أبناء هذا البلد لا تتاح لها فرصة الاستماع إلى الغناء إلا فى مناسبتين: طريق الذهاب إلى العمل والعودة منه، وفى ساعات الليل المتأخرة قبل الخلود إلى النوم، وما كان أسلوب جاكسون ومن على شاكلته يناسبها فى الحالتين، فموسيقاه الصاخبة تصمها وتقلصاته الحادة توترها. كانت تفضل أن تبحر فى جندول عبدالوهاب أو تسترخى مع سكن الليل لفيروز أو تعيش هذه ليلتى مع الست. كما أنها لم تحترم أبدا خجل جاكسون من لون بشرته بل كانت ترى فى سواده ملاحة ربانية أذهبها بنفسه كما أذهب معها مئات الآلاف من الدولارات. أما فضائحه الشخصية فتلك قصة أخرى.
هى تسجل موقفها الشخصى لتصل منه إلى نتيجة هى أن كل من لم يعجب بمايكل جاكسون للأسباب السابقة لن يتحول إلى النقيض لمجرد إشاعة أنه أسلم.كما أن كل من تعلق به ورقص على أنغامه. بل وقلد حركاته بشكل هستيرى لن يزيده ما قيل عن إسلام جاكسون تعلقا به. ومع ذلك فإن هناك إصرارا على أسلمة الشهرة وتديين النجاح.
فى ذهنها ما لا يقل عن ثلاثة أمثلة لمشاهير هرول معجبوهم إلى منحهم صكوك الإسلام فور وفاتهم، وكان هناك حرص على احتكار المسلمين النجاح بغض النظر عن معايير هذا النجاح. المثال الأول لميشيل عفلق مؤسس حزب البعث فى سوريا أحد أكبر الأحزاب السياسية فى وطننا العربى وأكثرها تنظيما وقدرة على التعبئة والتجييش وأوسعها انتشارا أيضا بعد تنظيم جماعة الإخوان المسلمين. شكل ميشيل عفلق وصلاح البيطار القيادة التاريخية لحزب البعث ولعبا دورا مهما على الساحة السياسية السورية حتى انقلاب فبراير 1966،ومثلت ثلاثيتهما الشهيرة وحدة/حرية/اشتراكية منهاج عمل لكل التنظيمات المشابهة سواء ما انشق عن الحزب الأم كما حدث فى العراق أو ما كان فرعا له فى لبنان والأردن واليمن والمغرب.
الرجل إذن كان حزبيا مخضرما ومشهورا فى أوساط النخب العربية،حتى إذا مات انتشر نبأ إسلامه وتغيير اسمه من ميشيل إلى أحمد، وهذا وارد وربما حدث فعلا. لكن أين موضع هذا المتغير الشخصى من التقييم السياسى لعفلق كرجل فكر وحركة فى آن واحد؟ إنها الرغبة فى مصادرة النجاح واحتكار الشهرة حتى وإن كان مضمون هذا النجاح وتلك الشهرة موضوع خلاف شديد.
المثال الثانى للأميرة ديانا سبنسر الزوجة الأولى لولى عهد بريطانيا الأمير تشارلز، والتى قضت قبل اثنى عشر عاما فى حادث سير فى فرنسا مع عماد الفايد نجل الملياردير المصرى الشهير محمد الفايد. ألهبت ديانا خيال الشباب بحفل زواجها الأسطورى فى عام 1983، وتعاطف معها كثيرون بهجران زوجها لها وعلاقته مع عشيقته ثم زوجته لاحقا كاميلا باركر، واندهش من جرأتها عدد أكبر عندما بادلت زوجها خيانته بخيانات، وأحبوها عندما جعلت مساعدة الطفال قضيتها وأطلقوا عليها لقب أميرة القلوب.
كانت ديانا نموذجا للتمرد على التقاليد الملكية المكبلة وليس أكثر جمودا من التقاليد فى بريطانيا، وكانت رمزا للأناقة وشخصية مثيرة للجدل. أحاط الغموض بمصرعها وأثار عديدا من التساؤلات عن دور المخابرات البريطانية فى اغتيالها، وسمح ذلك لأولئك الحريصين على مصادرة الشهرة بالدخول على الخط.
حيكت فى هذا السياق قصص لا أول لها ولا آخر عن إسلام ديانا قبل وفاتها، وقيل إن هذا كان أحد أسباب اغتيالها. وفى كل الأحوال فإن قصة ديانا لم تكن قصة نجاح، لكنها كانت قصة إبهار ومعاناة وتمرد وإثارة، ومع ذلك فإن الباحثين عن احتجاز النجاح للمسلمين لم يوفروا جهدا لإثبات أنها ماتت على دين الإسلام أو فى القليل كانت تعتزم الدخول فيه.
المثال الثالث للمخرج المصرى الشهير يوسف شاهين وهو الذى أعطى للفن السابع بعض أهم أعماله كأفلام جميلة الجزائرية، والاختيار، وباب الحديد، وصراع فى الوادى. والذى جَسَّد كأروع ما يكون ظلم السلطة من خلال مشهد الفلاح المقهور محمد أبو سويلم وهو ينشب أظافره فى طين القرية وخيول الجنود تسحبه من ورائها فى فيلم الأرض. والذى أرَّخ لمصر من خلال سيرته الذاتية فى سلسلة السكندريات، وحصد الجوائز العالمية ومشى مرارا على البساط الأحمر فى مهرجان كان.
فاجأنا مؤسلمو المشاهير بالإعلان فور وفاة شاهين أنه كان قد أسلم، ومضوا خطوة أبعد بإثارة لغط حول ترتيبات تشييع الرجل بادعاء أنه كان قد أوصى بأن يصلى عليه فى مسجد عمر مكرم. وخرجت أسرته لتوضح فى أدب ولكن أيضا فى حسم أن المخرج المعروف ظل على مسيحيته لم يبارحها، وكل ما هناك أنه كان رجلا متسامحا، قارئا لتاريخ الأديان، محبا لتفسير الشيخ الشعراوى، وهذا لا يجعل منه مسلما باليقين. الطريف فى حالة يوسف شاهين أنه مثلما حاول البعض اختطاف دينه وتحويل وجهته إلى الإسلام، كان هناك من حاول اختطاف جنسيته بادعاء أنه لبنانى الأصل.
لكن فى الأخير فإن شاهين المصرى المسيحى استطاع أن يقدم فنا محترما ومختلفا وعالميا يُحسبَ لبلده ويضيف لرصيد مصر الإبداعى، لا ينقص منه أنه غير مسلم، ولا يضيف له ادعاء إسلامه. بل إن شاهين المسيحى أعطى صورة ناصعة للمسلمين بإخراجه فيلم الناصر صلاح الدين فيما أساء إليهم أبناء دينهم أمثال بن لادن والملا عمر.
إن هناك عشرات المشاهير الذين أسلموا بإرادتهم، وهذا حقهم، وكان منهم الرياضيون كمحمد على كلاى والفلاسفة كروجيه جارودى، وقد لاقى بعضهم فى سبيل ذلك ما لاقى خصوصا من اقترب منهم كجارودى من حقل السياسة حيث يوجد النفوذ والمال. لكنهم جاهروا بما اقتنعوا به ودافعوا عنه بالتى هى أحسن فما كانوا فى حاجة إلى ممارسة التقية وانتظار أن تتواءم لحظة إشهار إسلامهم مع لحظة إعلان وفاتهم. ومع ذلك فإن أسلمة جاكسون وعفلق وديانا وشاهين ليست الأولى وهى لن تكون الأخيرة،ولعل الباحثين عن أسلمة الشهرة سيحاولون بعد رحيل أوباما أو ربما بعد مغادرته البيت البيض إثبات أن الرئيس الأمريكى جاهر بمسيحيته وأخفى إسلامه، وسيظل التثبت من هذه النقطة معلقا لفترة طويلة مادمنا نقيّـم الساسة كما نقيـّم غيرهم من مشاهير الفن والرياضة بمعيار الدين وليس بمعيار العمل