من وحي مسلسل الجماعة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:26 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

من وحي مسلسل الجماعة

نشر فى : الخميس 9 سبتمبر 2010 - 9:34 ص | آخر تحديث : الخميس 9 سبتمبر 2010 - 10:32 ص


كانت جلسة عائلية التأم فيها شمل أفراد الأسرة بالمعنى الواسع للكلمة. العنصر الغالب على الحاضرين كان هو عنصر الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والثلاثين. جميعهم من دارسى الكليات العملية وخريجيها، متفوقون دراسيا وعمليا، متدينون بالمعنيين الشكلى والموضوعى. أُفضل استخدام وصف متدينين على وصف ملتزمين، فالالتزام لفظ ناقص لأن الالتزام يكون بشىء ولا يستخدم فى المطلق. كان النقاش الذى دار بين جيلــى الآباء والأبناء يشبه النقاش الذى نخوض فيه جميعا، فالموضوعات تدور حول انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار والانتخابات ومسلسلات رمضان.


كان هذا هو السياق الذى دار فيه الحديث حين باغتنا طبيب شاب بسؤال مفاجئ قائلا: أثار فى ذهنى مسلسل الجماعة سؤالا لا أملك شخصيا إجابة مقنعة له، وأريد منكم أن تساعدونى فى إجابته، وسؤالى هو هل يناسب مصر فعلا شكل الدولة الدينية أم لا ؟ أراد الطبيب أن يستمع إلى خبرة الجيل الأسـن، فإذا بأقرانه يكونون هم أكثر المتفاعلين رفضا وقبولا. ومثل هذا التفاعل من الشباب يبدو منطقيا لأن السؤال يخص مستقبلهم لا حاضرنا.


تَلَخص منطق المدافعين عن الدولة الدينية فى أنها الدولة التى تطبق الحدود على السارقين والقَتَلة والزناة فلا يعودون لآثامهم قط وبذلك تستقيم أحوال البلاد المعوجة. وأخذت أحدهم الغيرة على دينه فقال إنه ليس مقبولا فى مصر أن يباح شرب الخمر لمن يريد حتى وإن كان حدثا غض الإهاب. وتمثل آخر نموذج ماليزيا الدولة التى جمعت فى رأيه بين القدرة على التحديث بالمعنى التقنى وبين تطبيق الحدود. وردت صيدلانية شابة على السؤال المطروح بسؤال آخر: من منا لا يحب أن يكون فى صلاح شخص حسن البنا؟


أما منطق المعارضين لفكرة الدولة الدينية فانبنى على أساس أن تطبيق الحدود لا يضمن صلاح الحال بالضرورة، وأن فلسفة الثواب والعقاب التى هى جوهر مفهوم الحدود مطبقة فى عديد من الدول المدنية مع اختلاف فى طبيعة الفعل المُؤثم ونوع العقاب. وأن الحدود لن تردع شارب الخمر بل التنشئة الدينية والأخلاقية السليمة. وأضاف آخر أنه فى حدود علمه لا تعد ماليزيا نموذجا للدولة الدينية، فعلى رأسها ملك يملك ولا يحكم ومركز قوتها رئيس الوزراء صاحب أكبر كتلة برلمانية، أما الحدود فلا تطبق على المستوى الفيدرالى.


وفيما يخص شخص حسن البنا فى مسلسل الجماعة فعلق أحدهم بالقول إنه يميز بين أمرين، الأول هو الصلاح الدينى للبنا الذى يتمثل فى إعانته ثلة من النساء المنحرفات على الارتزاق من مال حلال، واستيعابه مفهوم العدالة الاجتماعية بتبنيه قضية مكافحة الفقر، وتوعيته الناس بمكارم الأخلاق فى قرى مصر ونجوعها. أما الأمر الثانى فهو السلوك السياسى لحسن البنا الذى يجعله يقبل اغتيال رئيس الوزراء النقراشى بسبب عدائه للإخوان، أو يدعوه إلى التحسس من الآية (19) فى سورة القصص مخافة أن يكون فيها إسقاط عليه شخصيا «إن تريد إلا أن تكون جبارا فى الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين»، أو يسوغ له إسداء النصح للملك الشاب فاروق ليظهر للناس مصليا ورعا فيكسب ثقتهم السياسية، أو يبرر له اختراق الأحزاب القائمة برجال الإخوان.


يلفت النظر فى حجج أنصار الدولة الدينية ومعارضيها أنهم معا يختصرونها فى مسألة تطبيق الحدود، ولهم عذر فى هذا الاختزال لأن الدعوة لتطبيق الحدود تأتى على رأس أولويات المنادين بالحكم الإسلامى حتى وإن كانت دولتهم تحت وطأة احتلال بغيض (تنظيم دولة العراق الإسلامية فى العراق)، أو تعانى حصارا دوليا خانقا (حركة حماس فى قطاع غزة)، أو تعيش حربا أهلية منذ عشرين عاما (حركة شباب المجاهدين فى الصومال)، أو تفجر بهذا التطبيق صراعا داخليا يفضى إلى التفكيك (السودان منذ عام 1983). ربما لامس الشباب من معارضى الدولة الدينية بعض مساوئ احتكار البعض تفسير الدين وفرض تفسيرهم على المجتمع بأى ثمن لكن الصورة عندهم لا تزال غائمة، وربما تنقصهم الشجاعة وأيضا الخبرة للقول إن أسوأ أنواع الديكتاتوريات هى الديكتاتورية الدينية. فمع الحاكم المدنى تستطيع أن تعارض لأن سياساته من عنده، أما مع الحاكم الدينى فلا قِبَل لك بمعارضته لأنه يزعم أن سياساته من عند الله.


يحتاج منا جيل الشباب أن نوعيــه بمخاطر اختزال الدين فى الحدود، وأن نرشده إلى مساحات التقاطع بين الحكم الصالح والدولة المدنية، وأن نبصــره بخطورة الحكم باسم الدين. والحق فإن لمسلسل الجماعة فضل إثارة فضول الشباب بقضية حاكمة لمستقبل التطور السياسى فى مصر. وللمصادفة فإن العبارة التى نُسبت مؤخرا لمرشد الإخوان الحالى عن أن جماعته لديها الماء الطهور الذى تغسل به نجاسة المجتمع والحكومة كأنها جاءت فى وقتها تماما لتؤشر على ما يمكن أن يفضى إليه احتكار البعض منا الصواب الدينى، وكأنه ليس من طينة هذا المجتمع نفسه، أو كأن الحدود تخصنا ولا تشمله.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات