لماذا يصفق الشباب؟ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:12 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

لماذا يصفق الشباب؟

نشر فى : الخميس 10 ديسمبر 2009 - 9:48 ص | آخر تحديث : الخميس 10 ديسمبر 2009 - 9:48 ص

 بالكاد استطاعت أن تنتزع أربع تذاكر لأسرتها فى حفلة الماتينيه لفيلم ولاد العم بقاعة السينما فى أحد فنادق القاهرة. وعندما أشارت عاملة الشباك إلى الصف الثالث بوصفه الصف الوحيد الذى يوجد به عدد محدود من المقاعد الخالية هزت صاحبتنا كتفيها قائلة: ما باليد حيلة، فخير لها أن تشاهد فيلم شريف عرفة وهى مشرئبة العنق من ألا تراه أبدا، فلا أحد يضمن أن تتاح لها فرصة مماثلة للفرجة بعد إجازة العيد. وعلى هدى بصيص الضوء الواهن المنبعث من بطارية عامل السينما دخلت وأسرتها إلى صالة العرض يحفهم عشرات من المشاهدين أكثرهم من جيل الشباب، فهل هى مجرد مصادفة؟

راح هذا السؤال يطاردها فى كل مرة كانت تضج فيها القاعة بالتصفيق عندما يتغلب ضابط المخابرات المصرى على نظيره الإسرائيلى فى الفيلم، واستمر يلح عليها حتى النهاية ونزول التترات. فعلى حد علم صاحبتنا فإن هؤلاء الشباب خارجون لتوهم من معركة مصر والجزائر التى هَوَنت بشدة من قيمة العداء لإسرائيل وعظمت بشكل مدهش من أهمية التنافس الكروى بين مصر والجزائر، فلماذا إذن يقبل الشباب على هذا الفيلم الذى يقول إن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل لم تنجح بعد ثلاثة عقود كاملة فى إنهاء العداء بين البلدين ويؤكد أن مصر بعد كل هذه السنين لاتزال تعتبر إسرائيل المصدر الرئيسى للتهديد؟

قد يقول قائل إن أغلب المترددين على دور السينما لاسيما فى المواسم والأعياد عادة ما يكونون من فئة الشباب، وهذا صحيح، لكن كيف نفسر إقبال الشباب على هذا الفيلم تحديدا إلى حد جعله الأعلى من حيث الإيرادات متقدما بذلك على أفلام خفيفة يتمتع أبطالها بحضور جماهيرى لافت؟ لاحظ مثلا أن التزاحم الشديد على الفيلم فى إحدى دور العرض بوسط العاصمة بلغ حدا استفز رجل الشرطة المكلف بالحراسة فرفع هراوته فى وجه الجمهور متسائلا عن سر هذا الإقبال على السينما والسينما حرام. ويعلم الله وحده إن كان الرجل يهزل فى قوله أم ينطق بما يعتقده فعلا، لكن تلك على أية حال قضية أخرى.

ولعل أهم من سؤال لماذا يقبل الشباب على الفيلم، سؤال لماذا يصفقون من قاعة عرض إلى أخرى لمشهد احتراق الضابط الإسرائيلى طالما أنه لا تنافس كرويا بين مصر وإسرائيل على نهائيات كأس العالم بعكس ما كان عليه الحال مع الجزائر حتى أقبل شباب مصر على حرق علم الجزائر كما سبقهم شباب الجزائر إلى حرق علم مصر؟

أتاحت لها دردشة الشباب على المواقع الإلكترونية أن تقترب من تحليل رؤية بعضهم للرسالة السياسية التى يحملها الفيلم، فعن أى شىء دار حديث الشباب؟ كان هناك أولا ما يشبه الاتفاق بينهم على التمييز بين الديانة اليهودية والجنسية الإسرائيلية، والتأكيد على أن علاقة العداء هى مع دولة إسرائيل وليست مع أتباع الديانة الإبراهيمية. وهنا تحدثت شابة عن أنها بعد أن أحست بـ«قفلة» مع أحد اليهود سرعان ما عادت لتصحيح موقفها وتذكير نفسها بأنه وإن كان أكثر اليهود يساندون إسرائيل إلا أن البعض منهم يتبرأ من سياساتها العدوانية. وهذا تمييز محمود.

وعندما شرع هؤلاء الشباب فى تفسير سبب العداء لإسرائيل أو «القفلة» معها على حد تعبيرهم، فإن منهم من برر ذلك بمصلحة مصرية بحتة لأنه ما لم يوضع حد لطغيان إسرائيل اليوم فى فلسطين فلا يوجد ما يمنعه غدا من أن يتسع. كما أن من بين الشباب من برر عداءه لإسرائيل من منظور إنسانى متأثرا بشدة بالعدوان الإسرائيلى الأخير على غزة، فتحدث عن أنه من منطلق إنسانى بحت عليه أن يفضح طغيان إسرائيل. وهكذا فإنه وفق هذا التصور الأخير تحولت القضية الفلسطينية إلى مجرد قضية إنسانية فى عيون بعض أبنائنا كما هى فى عيون الكثير من منظمات حقوق الإنسان وحركات السلام فى العالم بما فى ذلك داخل إسرائيل نفسها.

أخذ الفيلم هؤلاء الشباب إلى ما هو أبعد من القضية الفلسطينية إلى قضية فلسفية عن العلاقة بين الحق فى الأرض والحق فى الحياة، وجاءت فضفضتهم تعكس درجة عالية من الحيرة والتردد بين الاثنين وإن مالوا عندما تحين لحظة الاختيار إلى تقديم الحق فى الحياة على الحق فى الأرض. ففى رأيهم أنه إن استحال الحصول على الاستقلال التام يكون قبول بعض التنازل هو الملاذ الأخير للنجاة بالحق فى الحياة، ولذلك فإن منهم من اعتبر أن اختيار السادات كان هو الاختيار الأصوب.

تكشف سجالات تلك المجموعة من الشباب إذن عن وجود رأيين داخل أوساطهم، أحدهما يتعامل مع القضية الفلسطينية تعاملا براجماتيا من منظور تأثيرها على الأمن القومى المصرى، والآخر يتبنى تعاملا إنسانيا من منظور الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، لكن يظل البعد العربى للقضية غائبا عن أولئك وهؤلاء. هم لا يتخذون إسرائيل صديقا أو حليفا كما يفعل غيرهم بل تظل إسرائيل بالنسبة لهم عدوا، لكن التفسير الناقص لعداوتهم لإسرائيل هو ثمرة لتعليم وإعلام وساسة أربكوا فكرهم وجهلوهم بتاريخهم واستفزوا عصبيتهم المذهبية والقُطرية وحتى الكروية، وعودوهم على مرأى إسرائيل وبضاعتها ومسئوليها حتى إذا بإحدى الشابات تسأل لماذا لا نعرف عدونا فنشاهد أفلامه ونقرأ كتبه، وهى لا تدرى أن الفارق بين المعرفة والتطبيع شعرة فمن يضمن ألا تقطع تلك الشعرة فى هذا الزمن الردىء؟

فى لحظة معينة تصَورت صاحبتنا أن التصفيق لبطولات المخابرات المصرية فى فيلم ولاد العم هو تصحيح لاتجاه البوصلة ليكون العداء لإسرائيل شىء والخلاف مع أى دولة عربية شىء آخر تماما، ثم تبينت أن هناك اتجاها يعتبر أن الصراع مع إسرائيل لا دخل له بالعرب والعروبة، وأن التصفيق لحرق الضابط الإسرائيلى ليس بديلا للتصفيق لحرق علم دولة عربية أو أخرى. ومع ذلك يظل هذا القطاع من الشباب هو الرافض للسياسات الإسرائيلية، ولو برؤية منقوصة وبمنطق قد يكون مذبذبا لكنه رافض على أى حال، ومن هنا يحتاج منا أمثال هؤلاء أن نعمل بجد على توسيع رؤيتهم وتدعيم منطقهم سواء بأفلام السينما أو بأدوات أخرى غيرها، وبذلك وحده نحميهم من السير فى الاتجاه المعاكس فلا يصبحون بعد حين هم وأصدقاء إسرائيل سواء.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات