يبدأ العام الجامعى الجديد وسط خليط من التحديات والفرص. أما التحديات فمبعثها محاولة جر الجامعة لتكون امتدادا لساحات الاستقطاب السياسى الحاد الذى تشهده مصر بين مؤيدى الموجة الثورية الثانية فى 30 يونيو 2013 ومعارضيها، والتلويح بتعطيل الدراسة والتصعيد كأداة للضغط تحقيقا لمطالب تيارات سياسية معينة.
فمع أن الجامعة كانت دائما فى حالة تفاعل مستمر مع تطورات مصر ومحيطها الإقليمى العربى، إلا أن تطورات العام الأخير أدت إلى التوريط السياسى للجامعة على نحو غير مسبوق. بدأ ميدان الجامعة أو ميدان نهضة مصر يفقد حيدته السياسية لأول مرة عندما اختار الدكتور محمد مرسى تنظيم مؤتمر انتخابى له قبيل جولة الانتخابات الرئاسية الأولى فى هذا الميدان تيمنا باسمه الذى استوحاه برنامج حزب الحرية والعدالة. هنا دخلت السياسة إلى الميدان وتحول إلى ساحة للدعاية الانتخابية لمرشح بذاته على حساب باقى المرشحين. ثم تواصلت هذه الظاهرة مع تنظيم مؤيدى الدكتور مرسى وقفة فى ميدان نهضة مصر دعما لإعلانه الدستورى الصادر فى نوفمبر 2012 تحت عنوان «مليونية الشرعية والشريعة». وأخيرا تنظيم التيار نفسه وقفة فى 28 يونيو تحت عنوان «مليونية نبذ العنف»، التى تطورت إلى الدخول فى اعتصام مفتوح حتى 14 أغسطس الماضى.
●●●
خلال ستة أسابيع كاملة مرت جامعة القاهرة، الجامعة المصرية الأقدم بعد جامعة الأزهر، والمؤسسة التعليمية الأعرق على مستوى الوطن العربى كله، مرت بما لم تمر به قط على مدار تاريخها. تحولت الجامعة إلى رهينة للتيار السياسى المؤيد للدكتور مرسى بعد عزله، أغلق بابها الرئيس لأول مرة وعلقت عليه لافتات دعما لمرسى وما وصف بشرعيته، وتحَمل الأساتذة والطلاب والموظفون الأمرين وهم يغامرون كل يوم بحياتهم حين يدخلون الحرم الجامعى من الأبواب الجانبية نزولا على أمر المعتصمين المسلحين. وعندما بدأت عملية فض الاعتصام صباح يوم 14 أغسطس لجأ المسلحون إلى كلية الهندسة واتخذوها منصة لتبادل إطلاق الرصاص مع قوى الأمن. أعملوا التدمير فى مبناها الإدارى، حطموا الحواسب والمكاتب والمعامل، أضرموا نارا التهمت قرابة 30 مليون جنيه دفعها آباء وأمهات من كدحهم لأنهم لا يملكون رفاهية الالتحاق بالجامعات الخاصة بعيدا عن مدارات العنف والمواجهة.
●●●
العمل السياسى داخل الجامعة بأدواته المعروفة من مسيرات ومظاهرات وفعاليات طلابية مختلفة شيء، وتسييس الجامعة نفسها والزج بها فى أتون الصراع السياسى وتجاذبها بين التيارات المتباينة شيء مختلف تماما. خطورة هذا التسييس لا تتمثل فقط فى إفقاد الجامعة حيدتها كمؤسسة ضامة لكل الطلاب على تنوع انتماءاتهم السياسية، لكن خطورتها تبدو أيضا فى التهديد بتفكيك أطرها الطلابية وتحويل الطلاب أنفسهم إلى أدوات لإدارة الصراع بين تيارات سياسية خارج الجامعة. ولنتأمل فى هذا الخصوص الأزمة العميقة التى يعانى منها اتحاد طلاب مصر، وهى الأزمة التى بدأت عندما أعطى نائب رئيس الاتحاد المحسوب على جماعة الإخوان نفسه الحق فى التوقيع باسم الاتحاد على ما يسمى ب «البيان الوطنى للدفاع عن الشرعية» الذى أصدرته مجموعة من القوى الإسلامية من داخل مسجد رابعة العدوية يوم 2 يوليو. فعلى أثر هذا الخلط بين انتماء الطالب والشخصية الاعتبارية المستقلة للكيان الطلابى أقدم رئيس الاتحاد على عزل نائبه وأربعة آخرين من المكتب التنفيذى بعد تطورات وتفاصيل ليس هذا موضع ذكرها. وبدلا من أن يتحول الاتحاد إلى ملجأ للطلاب وملاذ لهم أصبح هو نفسه بمشاكله وصراعاته السياسية عبئا على الطلاب وسببا مرجحا لشل العمل الطلابى. وبالتوازى مع هذا التطور الخطير، فإن ثمة نذر للصدام بين ما يسمى ب «جبهة طلاب الثورة» التى تنتصر للموجة الثورية الثانية، وبين ما يسمى « جبهة جامعات ضد الانقلاب العسكري» المضادة. وإذا افترضنا أن الجبهتين قد تستقطبان بعضا من أساتذة الجامعة، وهذا فى حد ذاته كارثة حقيقية فلنا أن نتصور على أى نحو ستسير المحاضرات داخل قاعات الدرس، وعلى أى شكل ستمضى علاقات الطلاب.
●●●
تلك كانت التحديات التى تواجه العام الجامعى الجديد، أما عن الفرص فهى ترتبط بوجود شخص مثل دكتور حسام عيسى على رأس وزاررة التعليم العالى، وتولى شخص مثل دكتور جابر جاد نصار مسئولية رئاسة جامعة القاهرة التى لا شك أن مسار العملية التعليمية فيها يؤثر على مجريات الأمور فى سائر الجامعات الأخرى. يجمع بين الرجلين أنهما من كوادر الحركة الطلابية العتيدة، وبالتالى فإنه ليس غريبا أنك حين تطالع اللقاءات والأحاديث الصحفية للرجلين بعد توليهما منصبيهما تجد إجاباتهما تكاد تكون متماثلة على الأسئلة التى توجه إليهما. وكمثال، رد وزير التعليم العالى على شائعة اعتزامه وقف العمل السياسى فى الجامعة قائلا إن من أفنى عمره فى الدفاع عن استقلال الجامعة وحرية الحركة الطلابية لا يجب أن يوجه إليه مثل هذا الاتهام. ورد رئيس جامعة القاهرة على شائعة أنه سيسمح بعودة أمن الدولة للتدخل فى شئون الجامعة، قائلا إن ما لم يستجب له من ضغوط أمنية حين كان رائدا لاتحاد الطلاب بكلية الحقوق لا يعقل أن يستجيب له بعد أن أصبح على رأس جامعة القاهرة، وزاد أن الأجهزة الأمنية راهنت على خسارته فى انتخابات رئاسة الجامعة لكنه فعلها وفاز. القصد من المقارنة السابقة أن استقلال الجامعة يمثل حجز زاوية فى البناء الفكرى للرجلين، وهذا ضمان للحفاظ على هامش حرية العمل الطلابى الذى كان فى طليعة كل نضال سواء من أجل الاستقلال أو من أجل الديمقراطية.
●●●
نعم هناك صعوبات تنتظر العام الجامعى الجديد، وهناك حالة من إنكار متغيرات الواقع الحالى تدفع أصحابها إلى الرهان على التصعيد انطلاقا من الحرم الجامعى. لكن هناك فى الوقت نفسه أمل فى غد قريب بإذن الله يشارك فيه طلاب مصر فى كتابة دستورهم كما يليق بدستور مصر أن يكون، وأمل فى غد أبعد يعود فيه الاعتبار لدور العلم والبحث العلمى فى قيادة قاطرة الازدهار والتقدم.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة