إنهم يقتلون الحمير! - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:29 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

إنهم يقتلون الحمير!

نشر فى : الخميس 15 يوليه 2010 - 4:45 م | آخر تحديث : الخميس 15 يوليه 2010 - 4:45 م

 لا علاقة البتة تربط هذا المقال بمسرحية «إنهم يقتلون الحمير»، التى ألفها لينين الرملى وأخرجها جلال الشرقاوى فى مطلع السبعينيات إلا العنوان المشترك، أما المضمون فلا. فعلى العكس من المسرحية التى كانت تدور أحداثها فى إطار كوميدى ساخر.

فإن المقال يتناول ظاهرة بائسة آخذة فى الانتشار، هى ظاهرة استخدام الحمير المفخخة لتدمير أهداف عسكرية أو مدنية أو لقتل مجموعة من البشر يزيد عددها أو يقل. قمة التجرد من الإنسانية أن تساق دابة لا تعقل إلى حتفها ببشاعة مطلقة فتتناثر أشلاؤها فى الهواء لتدفع بها ثمن عداوات البشر وغلظة قلوبهم وتحجرها.

أن يختار «سين» من الناس أو «صاد» أن يفجر نفسه فيقال إنه انتحر أو استشهد أو قتل، فهذا هو اختياره المحض، الذى توصل إليه بعد تفكير طويل أو قناعة دينية أو بفعل إغراء مادى أو إحباط. أما الدواب التى خلقها الله لركوبنا وحمل أثقالنا وإعانتنا على أرزاقنا فليست

لها قضايا تدافع عنها أو تموت من أجلها، ولا خيار لها حين يتم تفجيرها فقد أسلمتنا قيادها.
مثل تلك التفجيرات شهدنا بعض نماذجها فى العراق وأفغانستان، ومنها ما يدخل فى فعل المقاومة ولا ننكر عليه شرعية هدفه لكن نبل الغاية لا يبرر فساد الوسيلة.

وإلا أعدنا إنتاج طبعات جديدة من فكر ميكافيللى، وأهدينا خصومنا حجة يفحموننا بها. فى كثير من تلك التفجيرات يسقط ضحايا كانوا بالصدفة فى موقع الحدث لا ناقة لهم من الأصل فى الأمر، ولا جمل لكنهم يستهدفون.

ففى أحدث أنواع تفجيرات الدواب بأفغانستان قتل ثلاثة أطفال صغار كانوا يلهون مع الحمار ويتقافزون بجوار العربة التى زرعت فيها القنابل خفية، لم يعلم الأهل أى مصير ينتظر أبناءهم ولا داخل الخوف نفوسهم من أى باب، فالحمار صديق يؤتمن، لكن لأنه لا حيلة للمسكين فى أمر نفسه، غرر به أصحابه ففجروه وقتلوا الأطفال الثلاثة.

لن يفيد مع مثل هذه العينة من البشر، التى تفجر الدواب والبهائم تذكيرها بالحديث النبوى الشريف، الذى ينهى عن المثُلة ولو بالكلب العقور، ولا إعادتها إلى القصة الشهيرة لتلك المرأة التى دخلت النار بسبب قطة لا هى أطعمتها ولا هى تركتها تأكل من حشاش الأرض.

لن يفيد أبدا، فالإنسانية تُولد فينا قبل أن نتخذ دينا أو طائفة أو يكون لنا اسم ولقب. فى البدء نكون بشرا ثم ننتمى لأشياء كثيرة منها الدين. فمن لم تردعه آدميته عن قتل دابة لا حول لها ولا قوة لا نتوقع أن تصده عن قتلها مبادئ الدين.

أنتمى لجيل تربى على أعمال عمالقة الأدب العربى غرسوا فى نفوسنا قيما نبيلة، منها قيمة الرحمة مع الحيوان. كان توفيق الحكيم صاحب أشهر حمار بعد جحا، وضع اسمه على اثنين من أشهر أعماله هما «حمارى قال لى» و«حمار الحكيم»، وكان بكل صولاته فى عالم الأدب يلقب حماره بالفيلسوف ويحاوره فى شئون الخَلق والسياسة.

يحبه ويحدب عليه ويفهم ما يجول فى خاطره، ويخرج من جيبه ثلاثين قرشا عزيزة جدا على نفسه ليشترى بها جحشا «صغير الحجم كأنه دمية. أبيض أبيض كأنه قد من رخام، بديع التكوين كأنه من صنع فنان». الرسالة، التى يبعث لنا بها الحكيم مُباشرة فى دلالتها، وبعض المباشرة فى الأدب يفيد أحيانا.

صار الحمار من متممات شخصية الحكيم الفريدة كما هو البيريه، الذى لم يفارق رأسه والعصا، التى يتكئ عليها والنظارة الضخمة التى تعلو أنفه. تباعد الأيام بين الحكيم وبين حماره ثم يعود زائرا للريف فى مناسبة أو أخرى فيهرع إلى حماره.

يشفق عليه من حمل «الغبيط» المملوء ترابا وطينا وسمادا، ويمسح على ظهره الناحل يقطر دما وتثخنه الجراح، ويثور من أجله ويصرخ فيمن حوله «أما كنتم تستطيعون أن تجنبوه هذا العمل الشاق المهين؟»، فتخيل ما كان الحكيم قائلا لو امتد به العمر ليرى الحمار يتحول إلى شحنة يفجر بها مرغما آخرين ونفسه.

فى علاقة الحكيم بحماره تتجلى إنسانيته كأرقى ما تكون، تجده ينهى صحبه عن منع الحمار الذى يركبه من أكل العشب الأخضر فى الحقول التى يمرون بها، بل إنك تجده يخالسهم فيدع الحمار يمد رأسه ليقضم بعض كيزان الذرة ويتركه يتلاكع فى سيره لا يلكزه ولا يركله. كان الحكيم فى قرارة نفسه يشعر بالخجل حين يعتلى ظهر الحمار، ويتخيل ما يفكر به هذا المسكين ويرجح أنه يود لو أعتقه فيترفق به.

كان يدخل كثيرا من أفعال حماره فى باب الفلسفة ليرفع عنه حرج الازدراء بعقله، الذى لازمه على مر العصور. فحين يتناهى إلى سمعه أن حماره كان يؤدى دورا على خشبة المسرح لكنه ضرب وطرد وأهين لأنه لوث الأرض بروثه، يفسر الحكيم ذلك بأن الحمار سخر من جهل الجمهور فقرر أن يعاقبه على طريقته.

وحين ينظر الحمار إلى المرآة غير عابئ بالغادة الهيفاء، التى تقف إلى جواره يضحك الحكيم، قائلا: هكذا هم الفلاسفة الذين يبحثون عن أنفسهم فى كل مرآة. وإذا نفق حماره يأسى لفراقه ويقول إن المسكين «أدرك أن أوان اللعب قد فات».

على هذا النحو رأى الحكيم فى الحمار ما لم يره غيره، ودفعه حبه له لأن يُحمّل أفعال الحمار العفوية فوق ما تحتمل وينطقها أو بعضها بالحكمة والمنطق السليم.

كان ذلك هو زمن الحكيم وأخلاقه وناسه وليس أمس كاليوم. معه انتقل الحمار من رمز الطرافة والتذاكى فى روايات جحا، ومن تقمص شخصية بعض بنى البشر فى كليلة ودمنة لبيدبا وحكايات لافونتين ومزرعة الحيوانات لأورويل ليصبح رمزا للفلسفة والعقل.

وها هو الحمار ينتقل معنا ليصير ضالعا فى عنفنا وصراعاتنا ودمويتنا، فما أحوجنا أن نستعيد قيم الأمس التى ابتعدنا عنها مع أننا ازددنا تدينا، وأن نعيد قراءة أعمال الحكيم وصحبه ففيها كثير من الحكمة والإنسانية. أختم برباعية للعبقرى صلاح چاهين كان فيها كأنه يقرأ الطالع حين يقارن بين الحمار وبنى آدم فينكر على الأول قتل نفسه حتى وإن كانت له هموم الثانى، فيقول:

الدنيا أودة كبيرة للانتظار
فيها ابن آدم زيه زى الحمار
الهم واحد والملل مشترك
ومفيش حمار بيحاول الانتحار
عجبى!

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات