بين مروة ولبنى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:17 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

بين مروة ولبنى

نشر فى : السبت 15 أغسطس 2009 - 6:24 م | آخر تحديث : السبت 15 أغسطس 2009 - 6:24 م

 ما من أحد فى مصر وربما فى العالمين العربى والإسلامى لا يعرف مروة الشربينى. أما من يعرفون لبنى حسين الصحفية السودانية والموظفة بالمكتب الإعلامى للأمم المتحدة فى الخرطوم فهم قلة قليلة، وذلك على الرغم من أن هناك تقاطعات كثيرة بين حكايتى مروة ولبنى.

الأصل فى الحكايتين هو الزى، فالأولى لقبت بشهيدة الحجاب والثانية وصفت بصاحبة البنطلون. قتلت مروة فى 1 يوليو الماضى بيد متطرف ألمانى استفزه حجابها الذى هو فى نظره رمز للاختلاف، وقبض على لبنى فى 3 يوليو بواسطة الشرطة السودانية لارتدائها البنطلون الذى اعتبر زيا مخالفا للنظام العام والآداب، بل وصف بأنه «عمل فاضح». ثم إن توقيت الواقعتين كما هو واضح يكاد يكون واحدا. كما أن المرأتين تحلتا بدرجة عالية من الشجاعة، فمروة التى أهانها العنصرى الألمانى اختصمته أمام القضاء وكان بمقدورها أن تترك المسألة تمر خصوصا أنها فى بلاد الغربة، ولبنى التى أهدرت الشرطة كرامتها استقالت من وظيفتها الدولية لتحاكم كمواطنة سودانية عادية ورفضت العفو عنها مقابل التعهد بعدم تكرار لبس البنطلون، بل أعلنت من اللحظة الأولى أن هدفها هو تغيير المادة 152 من قانون العقوبات السودانى الذى يحكم على كل من ترتدى ملابس تنافى الآداب والنظام بالجلد 40 جلدة.

على الرغم من تشابه هذه المقدمات اختلفت ردود الأفعال على الواقعتين اختلافا ضخما، وهذا هو بيت القصيد الذى يضعنا فى مواجهة أنفسنا ويكشف عن تحيز مواقفنا. كان هناك تعاطف جارف مع مروة اتخذ صورا مختلفة منها خروج المظاهرات المنددة بالجريمة البشعة فى عديد من العواصم العربية والإسلامية، ورشق السفارة الألمانية بالحجارة، وتكوين كتيبة استشهادية للقصاص لمقتلها، هذا عدا التسابق على تخليد ذكراها بوسائل عديدة. شارك فى الإعراب عن هذا التعاطف بل كان محركه الأساسى مواطنون عاديون أحسوا أن دينهم فى خطر، واستثمر مشاعرهم دعاة صراع الحضارات متناسين أنه كما جابت شوارعنا المظاهرات المنددة بالجريمة جاب مثلها شوارع مدن ألمانية، وأنه كما كان من أهان مروة وقتلها ألمانيا فإن من حكم لها بالتعويض عن إهانتها هو أيضا ألمانى.

أما فى حالة لبنى فقد تركز التعاطف العربى معها فى المنظمات النسائية وبعض جمعيات حقوق الإنسان ونشطاء الرأى، بينما غاب استهجان احتمال جلد لبنى عن شوارع إسلام أباد وكابول وطهران وحتى إسطنبول. أكثر من ذلك إن أنت تجولت على شاشة الكمبيوتر سوف تجد أحد المواقع الإلكترونية يسأل رواده عن رأيهم فى لبنى و هل هى بطلة أم مجرمة؟ وسترصد أن الغالبية الساحقة ممن اعتبروا لبنى بطلة ومناضلة (بل اعتبرها بعضهم نبية) هم من الغربيين أو من العرب المقيمين فى الخارج الذين اعتبروا الصحفية السودانية قدوتهم فى شجاعة الدفاع عن الرأى، وستلحظ أن قلة فقط من المسلمين هى التى تعاطفت مع لبنى بينما كان منهم من اعتبرها فاسدة ومفسدة ومجرمة واعتبر حكم الجلد جزاء وفاقا لها على ما اقترفت. فترى هل الأزمة هى بيننا وبين الغرب كما يتضح من اختلاف ردود الفعل على جلد لبنى مقابل قتل مروة أم أن الأزمة هى فى داخلنا وفى معاييرنا المزدوجة فى الحكم على المتشابه من الوقائع والأحداث؟

من العبث الدخول فى تفاصيل التفاصيل فى مسألة القبض على لبنى وتقديمها للمحاكمة من قبيل اتساع البنطلون أو شكل البلوزة أو طول الكم أو عرض الطرحة...إلخ، على الرغم من أن زى لبنى كما ظهرت به على مواقع الإنترنت معتمد فى عديد من البلدان الآسيوية كزى إسلامى شرعى، وعلى الرغم من أن لبنى وكل النساء اللائى قبض عليهن يوم 3 يوليو فى مقهى أم كلثوم بالخرطوم كانت تهمتهن هى ارتداء البنطلون.. مجرد ارتداء البنطلون دون قيد أو شرط. مع ذلك أقول لنبعد عن التفاصيل التى هى من لوازم مهنة الحياكة ولا شأن لها بوظيفة التحليل السياسى، وتعالوا نفترض أن لبنى وصويحباتها ارتدين أزياء تخدش النظام العام ودعونا نتساءل: من أين أتى المشرع السودانى بعقوبة الجلد 40 جلدة لذوات الملابس غير اللائقة؟ وعلى أى نص قرآنى استند فى تغليظ العقوبة لما يصل تقريبا إلى نصف عقوبة الزانى غير المحصن وهى 100 جلدة؟ عندما تطلق الخيال لتفكيرك ستجد أن لبنى وأمثالها لو كررن لبس البنطلون ثلاث مرات فقط ستوقع عليهن عقوبة مقدارها 120 جلدة وهو ما يفوق حد الزنا، فهل هذا معقول بل هل هذا عدل؟ وسوف يزيد شعورك بانعدام العدل عندما تعلم أن التهمة المتعلقة بالمظهر غير اللائق تنظرها محكمة تسمى محكمة النظام العام وهى نوع من المحاكم الخاصة أو الاستثنائية التى تنتشر فى وطننا العربى وتجور على حق المواطن فى أن يحاكم أمام قاضيه الطبيعى. هذا علما بأنه فى حالة السودان، فإن الشرطى الذى يضبط المخالفة ويثبت الواقعة هو نفسه الذى يشهد أمام المحكمة ويدعى، كما أن المتهم يحرم من الاستعانة بمحامين للدفاع عنه. صحيح أن لبنى نجحت بصلابة موقفها فى نقل قضيتها من محكمة النظام العام إلى القضاء العادى، لكن قل لى بربك كم من لبنى لدينا فى السودان؟.

إن اختلال موازين العدل لا نتيجة له إلا الاجتراء على الفضائل ومكارم الأخلاق، فمادام حد ارتداء البنطلون هو تقريبا نصف حد ممارسة الزنا فما هو رادع كل من تسول له نفسه أن يرتكب الكبائر؟ لقد كان منطق المدافعين عن مروة فى مواجهة عنصرية قاتلها منطقا لا أوضح منه ولا أقوى لأنه استند على وجوب تحقيق العدالة بحيث يكون القصاص على قدر الجريمة، فعلى أى أساس استند من حرضوا على لبنى سواء بالتبرير للعقوبة أو حتى بالسكوت عنها واعتبروا أن على لبنى أن تحصد ثمرة ما جنت؟ لاحظ هنا أننى أثرت القضية من زاوية محددة هى زاوية العدل الذى هو موضع إجماع فى الإسلام ولم أقترب من مناقشة القضية من منظور الحرية الشخصية المختلف عليها بوضوح فى العالمين العربى والإسلامى.

إن محاكمة لبنى ستجرى يوم 7 سبتمبر المقبل أى أن ما يفصلنا عنها أيام قليلة، فلنحاول أن نجعل من الفترة القصيرة المقبلة فترة عمل من أجل نصرة قضيتها بمناقشتها والإعلام عنها والدعوة لتعديل نص المادة 152، فقضية لبنى ليست قضية نسائية بل قضية مواطنة وهى ليست قضية أخلاق بل قضية معايير العدالة. وبالتأكيد فإن ضمائرنا لن تستريح عندما نسمع من البعض أن لبنى ستجلد بسبب آرائها السياسية المعارضة وليس بسبب ارتدائها البنطلون، فهذا التفسير قد يساعدنا على أن نفهم السبب الحقيقى أو المحتمل للقبض على لبنى لكنه أبدا لن يجعلنا نقبل جلدها. فليكن دعمنا للبنى جزءا من تعاطفنا مع مروة، وليكن العدل لدينا أعز علينا من الزى.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات