الرُبع الخالى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:18 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الرُبع الخالى

نشر فى : الإثنين 17 سبتمبر 2012 - 8:20 ص | آخر تحديث : الإثنين 17 سبتمبر 2012 - 8:20 ص

كانت الشجرة العجوز الوارفة تستقر فى الربع الأخير من الرصيف الملاصق لتلك السفارة المطلة على نيل القاهرة ،لا تعرف متى غُرِست بذرتها على وجه التحديد لكنك تثق فى أنها صارت ملمحا أساسيا من ملامح هذا المكان حتى لكأنها نشأت معه أو لكأنه خُلِق من رحمها. عندما كنت أحتاج أن أصف بدقة الطريق لغريب يزورنى لأول مرة كنت أضع الشجرة فى جملة مفيدة، فأقول على ناصية الشارع تنتصب شجرة ضخمة تتشابك فروعها وتتداخل أغصانها فلا يمكن لعين أن تخطئها. كان الزوار يتندرون سرا وأحيانا علانية على أن تكون شجرة من علامات الطريق، لكن عندما كان هؤلاء يصلون إلىَ بسلام كانوا يعترفون أنهم لاحظوا وجود الشجرة. فى بلد تُغتال فيه الأشجار من أجل طرد أسراب الطيور التى تعشش بين ثناياها، أو مد خطوط المترو بين سيقانها، أو هدم الـڤيلات القديمة التى تُظلل بناها والناس، هل يُصبح غريبا أن نُعَرف الشوارع بما تبقى مطلا عليها من أشجار؟

 

●●●

 

أكثر من مرة لفتتنى الشجرة الطيبة إلى لسعات برد الخريف فى الصباح الباكر وما كنت أشعر بها أو لعلنى كنت أتجاهل هذا الشعور، فقط عندما كنت أمر عليها وأرمق أوراقها المتساقطة تصنع سجادة ربانية بعرض الشارع من اللونين الأخضر الذابل والأصفر، كنت أنتبه إلى أن الوقت قد حان كى أتسلق السلم المعدنى المتأرجح وأتحسس ملمس الصوف فى الجزء العلوى من الخزانة لأستبدل الثياب التى تشع دفئا بأخرى خفيفة.

 

من دون أن يدرى العساكر الأربعة الذين كانوا يجلسون تحت الشجرة فى حراسة السفارة أنى ضممتهم إلى قائمة أصدقائى فإننى بالفعل كنت قد ضممتهم. تبهجنى رؤيتهم وهم يفترشون جرائد تنضح حروفها بزيت الطعام ويقضمون فى شهية ساندويتشات الطعمية مستترين بفروع الشجرة من أعين المارة لأنهم تَربَوا على أن للطعام حُرمته. ويطمئننى عليهم ظل الشجرة من لهيب الصيف يشوى أجسادهم الناحلة فيما تمرق أمام عيونهم سيارات مغلقة النوافذ يهب على وجوه قائديها هواء بارد لكنه مصنوع. لم تكن الشجرة بالتأكيد كتلك التى صورها توفيق الحكيم فى رائعته المسرحية « ياطالع الشجرة» مثمرة تطرح البرتقال والمشمش والتين والرمان، فشجرة الحكيم لم توجد أصلا إلا فى خياله وفى أدبه الرمزى أو العبثى، ومع ذلك فإنها مثل شجرة الحكيم كانت تنتج الظل والستر لمن يحتاج إليهما.

 

●●●

 

منذ متى بدأت الشجرة العجوز تنحنى؟ منذ شهور والأرجح حتى منذ سنين، لكن انحناءتها فى الأسابيع القليلة الماضية بدت أوضح من أى وقت مضى. تهدلت فروعها السامقة حتى كادت أن تلامس الأرض، وفارقت جذورها القوية التربة التى توغلت بعيدا فى أعماقها، وسقطت أوراقها الندية فى غير الخريف فقدمت إنذارا فصليا كاذبا لمن كانوا يضبطون مواقيت الفصول على أوراقها. أعطتنا الشجرة الجميلة كل المؤشرات على أن أنها تحتضر، ومع ذلك لم نفهم أنها تموت، لم نفهم ليست هى الكلمة الدقيقة فالأفضل القول إننا لم نهتم.

 

لم يُغثها أحد منا بل راحت عرباتنا تناور ببراعة مع تآكل المسافة الفاصلة بين فروعها والأرض فنفوز ــ أو نعتبر أننا فزنا-عندما نفلت من براثن أغصانها المائلة. لم يٌغثها عمال السفارة التى كانت الشجرة تحرس جدارها، ولعلهم حتى ارتاحوا من تَطفل فروعها على حديقتهم وكأنه ممنوع أن يُختَرق حرَمَ الحديقة وأمن السفارة حتى من فرع شجرة. لم يغثها أىُ من سكان العمارات الضخمة المطلة عليها ولا تَذكر لها أنها كانت تُرطب ليله وتبهج ناظره. حتى إذا جاء يوم وجدنا الشجرة العجوز تنبطح أرضا وكأنها تقدم لنا احتجاجها الأخير فتربك المرور وتجبر الجميع على أن يغير مساره ويتوه فى شوارع الحى الخلفية.

 

●●●

 

فى مسرحية «ياطالع الشجرة» لم يكن يوجد أثاث ثابت، بل ظهر كل شخص على المسرح حاملا أثاثه ولوازمه بيده، وعندما سقطت الشجرة المطلة على نيل القاهرة تكرر المشهد نفسه فنقل العساكر الأربعة مقرهم إلى شجرة مجاورة لكنها ضامرة وغير ساترة ولا مُظلِلة. بدا الربع الأخير من رصيف السفارة خاليا اللهم إلا من بعض مخلفات الشجرة : بقايا جذع عقيم وفروع ذابلة لا هى تسد الطريق ولا هى تستحث أحدا على مواراتها. فهل كُتِب الإهمال على الشجرة حية وميتة؟ بل هل كانت هى أصلا مجرد «شجرة»؟

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات