اليد الممدودة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:12 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

اليد الممدودة

نشر فى : الإثنين 18 فبراير 2013 - 9:15 ص | آخر تحديث : الإثنين 18 فبراير 2013 - 9:15 ص

فى أول مرة مددت فيها يدى لأصافح ابن صديقة العمر والزمن الجميل فابتسم خجلاً وربت بيده على صدره أن عذراً لا أصافح النساء ، أحسست بغصة فى حلقى ولم أدر أينا أولى بمشاعر الخجل : هو الذى رد يد أمه الثانية الممدودة إليه أم أنا التى عاملنى الأخ غير الشقيق لأولادى معاملة الأنثى وتحرج من ملامستى .

 

 

كانت تلك المرة هى الأولى التى ألتقى فيها نبيل بعد سبع سنوات من الغربة قضاها مع أسرته فى الخليج سعياً وراء الرزق، فرأيته شاباً يافعاً تسره رؤاه الناظرين، زادت على وجهه بملامحه الطفولية ذقن شقراء خفيفة ، وتوارت عيناه اللتان كانتا تنطقان بالعفرتة وراء نظارة طبية وقورة سوداء الإطار ، عدا ذلك لم يتغير فيه شئ، لا نسيت أن أقول إن طوله زاد بالتأكيد بضع سنتيمترات .

 

 

 

فى كل المرات السابقة التى تردد فيها نبيل على القاهرة مع أسرته لتجديد الإعارة ، أو لقضاء عطلة قصيرة ، أو لحضور عرس أحد الأقارب، فى كل تلك المرات كانت دائماً تحول الظروف دون أن ألتقيه هو أو أيا من أخويه الأصغر، كنت بالكاد أفلت بلقاء سريع على فنجان قهوة مع أمه التى كنا قد تعاهدنا معاً على أن ننقل صداقة العمر إلى أولادنا ، ونجحنا ، لا كنت أظن أننا نجحنا .

 

•••

 

قبل هذا اليوم ، كانت لى مع نبيل بالذات أكثر من أخويه ذكريات خاصة، فعمره من عمر ابنى لا يفصل بينهما سوى أيام قليلة، فقررت أمه وأنا فى لحظة معينة أن نحتفل بهما معاً ، كان هذا أوفر للجهد والتكاليف. ياه كم من مرة حملته بين ذراعى وحملت صديقتى ابنى بالمثل ليطولا معاً التورتة التى يحبانها وسندناهما بأنفاسنا لإطفاء الشموع قبل أن يستغنيان معاً عن أنفاسنا فى سن السادسة أو السابعة على ما أظن ؟ كم من مرة ألم طارئ بصديقتى فاصطحبته وابنى من حضانة المدرسة وفتحت بيتى وقلبى وخزائن القصص والحكايات أمامه وكنت له طوع البنان؟ كم من مرة أشرفت على تنظيف جراج العمارة ليلعب مع ابنى وكل أبناء الجيران مباراة كرة قدم ليست دائماً مأمونة العواقب فى وجود السيارات المتراصة لكنها كانت دائماً مصدر بهجتهم وسرورهم والحب يلغى العقل أحيانا؟ هل تذكر يا نبيل أول مرة نذهب فيها جميعاً إلى المصيف وقد غفت عنك العيون لحظة لا أكثر منها فإذا أنت تشرد وتغيب فتنخلع قلوبنا قبل أن نكتشفك مع أطفال كثيرين تتحلقون حول بائع الفريسكا اللذيذة ؟ أحسست دموعى تنساب بغزارة ففى هذا اليوم بالذات اختلط الأمر على الناس من حولنا فلم يدروا أينا أمك أنا أم صديقتى، كان جزعنا واحداً ولهفتنا واحدة لكن ها هى نداهة الخليج قد صنعت بينى وبينك أسواراً عالية لا بل غليظة هذا هو التعبير الأدق ، وجعلت مثلى كمثل كل من التقيتهم بالأمس ومن ستلتقيهم غداً كلنا سواء و كلنا أغراب.

 

•••

 

منذ بدأت تهب على مصر رياح من شبه الجزيرة العربية فى السبعينيات وما تلاها، اعتدت ونساء كثيرات مثلى ألا نمد أيادينا للرجال حتى يبادرون هم بالسلام ، نحترم اختلافهم ولا نتطفل عليهم وإن لم يسلم الأمر من موقف محرج هنا أو هناك.  لكن الأبناء بحكم التعريف هم خارج دائرة الحيرة والتردد والاختبار، الأبناء هم الأبناء لذلك كان إحجام نبيل جارحا إلى الأعماق. اقتنصت لحظة جمعتنى به فى زيارته الأخيرة للقاهرة وسألته : ممكن تفسير ؟ أجابنى كما توقعت بسرد الحديثين المعروفين عن عدم مصافحة النبى النساء ، وعن أن طعن أحد فى رأسه بمخيط من حديد خير من أن يمس امرأة لا تحل له . فرددت وراءه: لا تحل له يا نبيل ، فهل أحل لك؟ .. أجاب متسرعاً : نظرياً نعم ، ثم استدرك قائلاً مع ذلك إذا كان الأمر يؤلمك يا طنط إلى هذا المدى فها هى يدى ممدودة إليك . مسكين هذا الشاب ، عمره مقسوم تقريباً نصفين، فى النصف الأول والأطول لمس أمومتى وأدرك من خلالى مصادر للقربى غير علاقة الميلاد والنسب ، وفى النصف الثانى رآنى امرأة أجنبية يصعب تسكينى فى أى فئة من فئات المحارم، فحار هل يمد لى يده بالسلام أم يسحبها ، وفعل الاثنين معاً.

 

•••

 

أيها الإبن العزيز يدك لا تلزمنى ، أحتاج عقلك وتدبرك، أحتاج أن تستخرج عشرات بل مئات الصور القديمة من ألبوم الذكريات تصنع بها دائرة من حولك، وتحدد بعدها لنفسك أين تقف. وفى اللحظة التى تقرر فيها بملء إرادتك أن هذه المرأة التى حملتك وصاحبتك وحفظت أسرارك الصغيرة وفرحت بنجاحك تستحق أن تكون لك أماً ثانية ، فسوف تجد يدى ممدودة إليك وذراعاى مفتوحتين لاحتوائك، وعدا ذلك فكل العذر لصديقة العمر أن صداقتنا البديعة لم تتوارثها الأجيال

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات