وخلعت مصر بدلتها البيضاء الشركسكين - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:09 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

وخلعت مصر بدلتها البيضاء الشركسكين

نشر فى : الخميس 18 أبريل 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 18 أبريل 2013 - 8:00 ص

قبل ثلاثة أعوام أحدثت لوسيت لونادو اليهودية الأمريكية ذات الأصل المصرى ضجة كبيرة فى الساحة الأدبية عندما نشرت قصتها الرائعة « الرجل ذو البدلة البيضاء الشركسكين: وقائع خروج أسرة يهودية من مصر». كان قماش الشركسكين حتى مطلع الستينيات هو المفضل لدى الرجال من أبناء الطبقتين الوسطى والعليا يصنعون منه بدلهم وستراتهم، وكان نقاء الجو فى مصر فى تلك الفترة يبيح التسامح مع اللون الأبيض فى الثياب. هذا اللباس مع الحذاء الأبيض فى الأسود الذى كان يشبه وجه الأرنب، والمنديل الحرير المطوى على شكل هرمى يطل من جيب السترة، كان يمثل المظهر الغالب على بعض رجال عصر شاء حظى أن أبصر نهاياته.

 

مبعث الضجة التى أثارها الكتاب أنه لمس وجهاً إنسانياً لظاهرة خروج اليهود من مصر عندما حكت المؤلفة عن ذكرياتها فى القاهرة قبل أربعين عاماً، واستعادت فى أذنيها صوت والدها وهو على سطح الباخرة التى غادرت سواحل الإسكندرية وهو يصرخ مكسوراً « رجعونا مصر». لم يكن من شئ يحمل لونادو اليهودى النازح من حلب على الرحيل من مصر، استطاب أسلوب الحياة شديد التناقض والإثارة معاً والذى كان يجمع بين التعبد صباحاً فى الكنيس واللهو ليلاً فى المراقص وهو يرتدى بدلته البيضاء الشركسكين. كان يكسب جيداً من عمله كسمسار، لكنه أنهى حياته بائعاً لأربطة العنق فى محطات المترو بالولايات المتحدة.

 

●●●

 

من يقرأ قصة لوسيت يلمس كيف ظلت مصر حية فى قلوب اليهود الذين هجروها حتى أن لوسيت نفسها حين استبد بها الحنين إلى أرض الميلاد سافرت إلى القاهرة وتفقدت بيتها القديم وقطتها الأليفة بوسبوس، وهناك أنست إلى الرحمة فى نفوس الجيران حين رحبوا بها وأحسنوا استقبالها. هذه الرحمة لم تجد لها لوسيت مثيلاً فى مهجرها الأمريكى، وافتقدتها جدتها من قبلها حين استقرت فى إسرائيل حيث كان يسخر منها الأطفال فى الطريق.

 

ومع أن لفظ الرحمة لم يرد على ألسنة أبطال فيلم يهود مصر لمخرجه الشاب أمير رمسيس، إلا أن معناه تجسد بكل وضوح فى حنينهم الجارف إلى مصر رغم هجرتهم إلى فرنسا من أكثر من نصف قرن. من يغوص فى تضاريس المجتمع اليهودى فى فرنسا، يعرف أن قضية الولاء المزدوج لليهود ما بين الانتماء لفرنسا والانتماء لإسرائيل ظلت قضية مثارة على الدوام. بعض يهود فرنسا يتطهرون من اتهامهم بالولاء المزدوج عن طريق التذكير بالاتهام الظالم للضابط اليهودى الفرنسى ألفريد دافوس بالخيانة فى عام 1894 ويؤكدون أن ذلك دليل على تجذر معاداة السامية فى الثقافة الفرنسية، والبعض الآخر من اليهود يثبتون هذا الاتهام حين يظهرون تأييدهم الجارف لعدوانية إسرائيل كما فى عام 1967. والحال كذلك فإن دخول مصرية يهود فرنسا فى الصورة تزيد من تعقيدها، ففى الحد الأدنى سيكون لديهم انتماء مزدوج مصرى - فرنسى وفى الحد الأعلى سيكون لهم انتماء مركب مصري - فرنسى - إسرائيلى.

 

●●●

 

فى رحلة اليهود النازحين من مصر اختار أمير رمسيس التوقف فى فرنسا لأنها كانت وجهة عدد كبير منهم بسبب العامل الثقافى، فكما روى العديد من الأسر فى الفيلم فإن التعليم كان بالأساس فى مدرسة الليسيه. واستطاع حكى هؤلاء أن يثير شجون المشاهد من زاويتين، الأولى أنهم قدموا صورة نفتقدها كثيراً لمصر الكوزموبوليتانية المتسامحة مع الاختلاف، والثانية حبهم لمصر وفنها وشوارعها وناسها حتى إذا عبروا عن بعض ذكرياتهم القديمة باللهجة العامية المصرية خرجت العين عيناً والخاء خاءً.

 

لكن الضعف الأساس فى فيلم يهود مصر مبعثه أنه لم يسلط الضوء الكافى على الصراع الذى دار بين جناحى الجماعة اليهودية فى مصر، الجناح الذى قاوم الحركة الصهيونية وتصدى لتهجير شباب اليهود إلى فلسطين وشارك فى تكوينه نفر من أمثال: عائلة قطاوى ذات الباع الطويل فى تمويل العديد من المشروعات الكبرى بدءاً من سكك حديد مصر وبنك مصر وحتى صناعة السكر فضلاً عن دورها البرلمانى المتوارث، وبعض رموز الحركة الشيوعية المصرية كيوسف درويش وشحادة هارون وريمون دويك. والجناح الآخر الذى مثل طليعة الحركة الصهيونية فى مصر وضم أمثال جوزيف ماركو باروخ مؤسس « باركوخيا الصهيونية «، وليون كاسترو رئيس المنظمة الصهيونية فى مصر. وساهمت الطبيعة التسجيلية للفيلم والاعتماد على توثيق شهادات الأبطال، ساهمت فى تصوير تاريخ اليهود باعتباره حلقات منفصلة لا متشابكة.

 

على صعيد آخر، ركز الفيلم على الموجة الثانية للهجرة اليهودية التى جاءت مع عدوان 1956، وهذا التركيز لم يعط أولاً الوزن المناسب للموجة المبكرة للهجرة من مصر فى منتصف الأربعينيات مع اشتداد عود الثورة الفلسطينية وبشكل أوضح مع قيام دولة إسرائيل. أما قبل هذين التاريخين فكان مفهوم الحركة الصهيونية شديد الضبابية إلى حد أن زار تيودور هرتزل مصر فى عام 1904 أى بعد سنوات قليلة من مؤتمره الصهيونى الأول، وإلى حد انتشار التنظيمات الصهيونية على أرض مصر وتنشيط الهجرة إلى فلسطين. من جهة أخرى فإن الموجة الثانية للهجرة تعقدت أسبابها وهو ما لم يلحظه الفيلم، فأحد الأسباب كان دور إسرائيل فى عدوان 1956، وكانت ما تزال حية ذكرى قضية لافون فى عام 1953 التى تورط فيها بعض يهود مصر لتفجير منشآت غربية بهدف إضعاف نظام الثورة وتعطيل الجلاء البريطانى عن مصر. ومن الأسباب الأخرى للهجرة صراع نظام عبد الناصر مع الشيوعيين، وسياسة التأميم التى طاولت ممتلكات اليهود وغير اليهود. فهل حدثت تجاوزات عند هجرة \ تهجير اليهود من مصر بفعل الخلط بين اليهودية كدين والصهيونية كأيديولوجية سياسية؟ وارد بل مرجح لكن لا ننسى أن المناخ كله كان مناخ شك وريبة. وكمثال يحكى د. رفعت السعيد عن شخص بينيامين المالك الأصلى لأشهر محال الفول فى الإسكندرية «محمد أحمد «، والذى هجر مصر عام 1956، وكيف عمل ابنه مديراً لمخابرات سلاح الطيران الإسرائيلى دون أن يعلم أحد.

 

كنت أُفضل أيضاً لو سمحت ميزانية الفيلم بالتسجيل مع يهود مصر فى دول أخرى كإيطاليا مثلا، فلا ننسى أن هنرى كورييل أهم مؤسسى الحركة الشيوعية المصرية عندما تم تهجيره عام 1950 قصد روما قبل أن ينتقل هو ومجموعته إلى باريس. وأخيراً تحسست من جملة كررها يهود فرنسيون فى الفيلم مؤداها أنهم تعلموا العربية من الطاهى والسائق ومعاونة المنزل المصريين، وكأنه لم يكن هناك احتكاك بين اليهود الفرانكوفون وبين ناطقى العربية إلا فى مجال العمل على خدمتهم.

 

●●●

 

يهود مصر فيلم جيد تناول موضوعاً غير مطروق، وخاض معركة طويلة ليُعرض رغم اتهام من صنعوه بالإساءة لجماعة الإخوان عبر التذكير بتفجيرها ممتلكات اليهود، وقدم لمحة خاطفة عن وجه مصر المستنيرة الحاضنة للأديان والأصول المختلفة، مصر الرحيمة كما وصفتها لوسيت فى قصتها. لكن بقدر ما أسعدنا الفيلم برؤية مصر القديمة فإنه حرك شجوننا ونحن نرى مصر تتخلص من بدلتها البيضاء الشركسكين قطعة قطعة على وقع فتنة تطال الدين تلو الدين وتفرز المذهب عن الآخر.

 

 

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

 

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات