العصيان المدنى هو عنوان لفئة واسعة جدا من الأنشطة السلمية التى تسعى للضغط على السلطة من أجل إحداث تغيير جزئى فى إحدى السياسات العامة أو أحد القوانين، أو تعمل من أجل إدخال تغيير كلى على شكل نظام الحكم، وفى هذه الحالة فإن العصيان المدنى يقود إلى ثورة. وبالنسبة للأنشطة التى يتضمنها العصيان فإن منها ما يتخذ طابعا رمزيا كما فى رفع الأعلام والشارات وإنشاد الأغانى ورسم الجرافيتى والكاريكاتير. كما أن منها ما يتخذ طابعا اقتصاديا جوهره عدم التعاون مع النظام ورموزه بقصد إحداث تأثير موجع، ومن أشكال عدم التعاون الاقتصادى عدم دفع مستحقات الدولة من فواتير كهرباء وغاز وتذاكر المواصلات العامة، وسحب الودائع من البنوك وعدم شراء البضائع الوطنية، وأخيرا الإضراب عن العمل سواء بمعنى عدم التوجه لمقر العمل أو الذهاب إليه مع الامتناع عن الشغل أو مزاولة الشغل لكن بتلكؤ عمدى. هذا إلى أن من أشكال العصيان ما يتخذ طابع عدم التعاون السياسى مع النظام من خلال مقاطعة الانتخابات بمستوياتها المختلفة، ورفض قرار حل التنظيم أو الحزب المعنى واللجوء للعمل السرى.
ويتوقف نجاح العصيان المدنى على أمورِ ثلاثة أساسية، الأول عدالة القضية وتلك مسألة فيها نظر لأن هذا يتوقف على عدم تسييس القضية وصبغ المطالب بصبغة انتماء حزبى أو أيديولوجى محدد، والثانى سعة الاستجابة للدعوة للعصيان وهو ما يرتبط بالأمر الأول فكلما كانت القضية عادلة وعامة انخرطت أعداد أكبر من المواطنين فى الدفاع عنها، أما الأمر الثالث فهو عدم الانزلاق للعنف الذى يفقد ممارسيه تعاطف قطاعات من الجماهير إما لأن لها موقفها الرافض للعنف أو إما لأنها لا تريد أن تنجر إلى دائرة العنف وتدفع ثمنا باهظا للمشاركة فى العصيان، وفى كل الأحوال فإن اقتران العصيان بالعنف يجرد العصاة من صفة الضحية وهى صفة لها جاذبيتها الشديدة وبريقها الخاص.
●●●
وفيما يخص مصر فإن ثورة 25 يناير 2011 سبقها تجهيز طويل من خلال العديد من أنشطة العصيان المدنى كان أبرزها على الإطلاق إضراب 6 أبريل 2008 والذى استجاب له المصريون بشكل مدهش. لكن بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق حسنى مبارك، ورغم تجديد الدعوة للعصيان المدنى فى مناسبات مختلفة إلا أن أيا منها لم يُكتب له النجاح لافتقاده واحدا أو أكثر من الأمور الثلاثة المشار إليها : عمومية القضية وعدالتها، وسعة المشاركة، واللاعنف. أذكر كيف جلب إغلاق بعض الجماعات الثورية مجمع التحرير بالقوة تمهيدا لإعلان الإضراب العام، جلب لتلك الجماعات سخط قطاعات واسعة من المواطنين رأوا فى هذا الفعل ممارسة إكراهية فرضت عليهم فرضا. وعندما أبدعت حركة تمرد فكرة التوقيعات المليونية لسحب الثقة من الرئيس السابق اختلف الأمر، أولا لأن القضية كانت محددة ومثلت مطلبا جماهيريا مشروعا بعد رفض الدعوة للانتخابات الرئاسية المبكرة، وثانيا لبساطة الفكرة وكونها فعليا فى متناول كل أحد، وثالثا لسلميتها رغم التحرش بدعاتها والتضييق عليهم واستهدافهم.
●●●
وها نحن بعد الموجة الثورية الثانية فى 30 يونيو لا نفتأ نواجه الدعوة تلو الأخرى للعصيان المدنى، وكان آخر تلك الدعوات محاولة تعطيل حركة مترو الأنفاق يوم الأحد الماضى كمقدمة كما قيل للتصعيد وصولا إلى عصيان شامل يوم 22 سبتمبر القادم. إن استخدام المواصلات فى الاحتجاج السلمى أمر معروف، وقد كان وسيلة مارستها بنجاح باهر روزا باركيس التى أشعلت حركة الدفاع عن الحريات المدنية للزنوج الأمريكيين. ففى عام 1955 استقلت باركيس أحد باصات بلدة منتجومرى بعد يوم عمل شاق، كانت باركيس التى تعمل خياطة وتعانى من ظروف اجتماعية مزرية منهكة القوى عندما رأت مقعدا خاليا من المقاعد المخصصة حصرا لجلوس البيض فألقت عليه بجسدها ورفضت إخلاءه. اقتيدت المرأة لقسم الشرطة وغُرمت بتهمة انتهاك قانون المواصلات، لكنها فجرت حركة شعبية جارفة انتهت إلى إسقاط كل القوانين التمييزية.
نجحت باركيس وهى فرد واحد لا تنتمى لتنظيم ولا تملك آليات الحشد، لم يكن فى ذهنها أصلا أنها ستصير زعيمة سياسية وتتقلد لاحقا أرفع الأوسمة الأمريكية. نجحت لأنها كانت تدافع عن قضية عادلة : إسقاط التمييز العنصرى، ولأن قضيتها كانت تمس قطاعا واسعا من المواطنين كانوا كمثال يمثلون أغلبية سكان بلدتها، لم تعتد على حق أحد بل اقتنصت مقعدا شاغرا وتشبثت به لأنه ليس للون البشرة ميزة أو ما كان ينبغى له أن يكون. قارن ذلك بفشل محاولة شل مترو الأنفاق دفاعا عن قضية تنظيم أخطبوطى يصر قادته على خوض معركة صفرية حتى نهايتها. لم يفعل شل المترو إلا أنه زاد عذاب المواطنين وسط ظروف لا ينقصها شىء من أسباب التعقيد، وإلا أنه جلب السخط على الجماعة التى راحت باستخفاف تتمشى بالمترو ذهابا وإيابا وتتداعى لشغل الطرقات بعربات بلا وجهة أو هدف. قالت لى فتاة شابة تستخدم المترو فى الذهاب لعملها والعودة منه: لم يحمل الإخوان أى إشارة مميزة لهم لكنهم جميعا أمسكوا المصاحف بين أيديهم، وعندما صعدت إلى عربة النساء أخفيت أذكار الصباح التى أقرأها كل يوم حتى لا يحسبنى أحد عليهم، صحيح خجلت من نفسى، لكنى فعلتها. فهل وصلت الرسالة؟
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة