انتظر اللبنانيون طيلة الأسبوع الماضى أن تمر ببلادهم العاصفة الثلجية ألكسا فتقطع الطرقات وتعطل المصالح وتنشر الظلام. ملأ المقتدرون بيوتهم بالمؤن، وعُطلت المدارس ليومين متتاليين، وألغيت حجوزات الطيران والفنادق أو أُجلت، لكن ألكسا لم تضرب بيروت. تذمر أصحاب الأشغال من الضرر الذى ألحقته بهم شائعة العاصفة قائلين: كل ما حدث هو أن تساقطت الثلوج على الجبل لكن هل يوجد شتاء لم يكلل فيه الجبل بالثلج؟ وتندر آخرون على عدم مرور العاصفة المناخية بعاصمتهم قائلين: إنها فى انتظار ما سيسفر عنه اجتماع جينيف2، فى إشارة إلى أن كل شىء يحدث فى لبنان يتوقف على ما يحدث فى سوريا حتى وإن تعلق الأمر بالطقس!
•••
تهوين اللبنانيين من خطورة العاصفة الثلجية يقابله تحسبهم من العاصفة السياسية التى تزحف صوب بلادهم ببطء لكن بثقة ولا تستثنى بقعة من بقاع الوطن: الجبل والسهل والجنوب. فمنذ تكليف تمام سلام بتشكيل حكومة جديدة خلفاً لحكومة نجيب ميقاتى المستقيلة فى مارس 2013، وهذا التشكيل متعثر وليس ثمة ما يبشر بقرب الوصول إليه فى ظل إصرار تيار 8 آذار على الاحتفاظ بالثلث المعطل ورفضه من طرف تيار 14 آذار. ومن قبل أن يدور الحديث عن العاصفة ألكسا كانت تتداول فى الأروقة السياسية بعض الأفكار التى تنذر بتعقيد أشد فى ملف الحكومة. فعلى جانب تصدى على الفور تيار 14 آذار للفكرة الخاصة بدعوة ميقاتى حكومة تصريف الأعمال التى يترأسها، دعوتها للانعقاد لبحث بعض الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية العاجلة، واعتبر التيار أن هذه الفكرة تمثل تحايلاً يهدف إلى «تعويم» حكومة ميقاتى أى تكليفها بصلاحيات تتجاوز مهام تصريف الأعمال.
وعلى جانب آخر استبعد تيار 8 آذار الفكرة المنسوبة إلى الرئيس ميشيل سليمان والتى تفيد اعتزامه تشكيل حكومة أمر واقع برئاسة تمام سلام دون التشاور مع باقى الأطراف السياسية. وسبب استبعاد هذه الفكرة ينبع من أن هكذا حكومة لن تحصل على ثقة مجلس النواب، والأهم أنها تصطدم بمبدأ «العيش المشترك» الذى يلجأ إليه كل السياسيين فى لبنان لتبرير الشىء ونقيضه فى الوقت نفسه. أما لماذا احتدم التنازع على تشكيل الحكومة، فإن الإجابة عن هذا السؤال من شقين: الأول هو أن اتفاق الطائف قلص من صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح رئيس الحكومة. والثانى هو أنه فى ظل تعقيدات الأوضاع الإقليمية الراهنة فمن المستبعد أن ينتخب رئيس جديد للجمهورية بحلول موعد الاستحقاق الرئاسى فى مايو 2014. وفى الوقت نفسه فإن علاقة الرئيس الحالى ميشيل سليمان بتيار 8 آذار ليست على ما يرام لجهة انتقاده السياسة السورية وانعكاساتها اللبنانية، وهذا ما يجعل من التمديد له كما حدث من قبل مع الرئيسين إلياس الهراوى وإميل لحود احتمالاً مستبعداً. وفى ظل الفراغ الرئاسى المنتظر، سوف تزيد أهمية من يتولى منصب رئاسة الحكومة ليصبح هو المتصرف الفعلى فى الشأن الداخلى. ولنذكر فى هذا السياق أن تنويعاً لبنانياً على المشهد الحالى قد وقع فى سبتمبر 1988عندما انتهت مدة الرئيس أمين الجميل وعهد برئاسة الوزارة إلى ميشيل عون فيما تمسك سليم الحص برئاسته للوزارة، وتعايش لبنان مع وضع خلا فيه مقعد رئيس الجمهورية بينما شغل منصب رئيس الوزارة قطبان أحدهما مارونى والآخر سنى. اليوم تتعايش حكومة تصريف الأعمال برئاسة ميقاتى مع رئيس الحكومة المكلف تمام سلام فى انتظار خلو منصب رئيس الجمهورية، وما أشبه الليلة بالبارحة.
•••
وحتى تكتمل صورة الأزمة السياسية والدستورية اللبنانية الراهنة، من المهم التذكير بأن مجلس النواب قد جرى التمديد له حتى خريف 2014، وذلك بعد أن فشلت كافة الأطراف فى التوافق على قانون تجرى وفقه الانتخابات البرلمانية فى يونيو الماضى. فبينما كان الجدل دائراً حول مدى جدارة قانون انتخاب عام 1960 بتعديلاته فى اتفاق الدوحة عام 2008، مدى جدارته لإجراء الانتخابات البرلمانية على أساسه، ألقى حجر ضخم فى المياه السياسية باقتراح قانون عُرف باسم الجهة التى تبنته أى «اللقاء الأرثوزوكسى»، وكان يقضى بأن تختار كل طائفة نوابها فى البرلمان. أربك هذا الاقتراح التحالفات السياسية، وجذب بعض القوى المسيحية داخل تيار 14 آذار إلى جانبه فيما تبنى سعد الحريرى زعيم تيار المستقبل ووليد جنبلاط زعيم جبهة النضال الوطنى ورئيس الجمهورية نفسه موقفاً معارضاً. وللتذكير بالتوظيف السياسى لمسألة «العيش المشترك»، تجدر الإشارة إلى أن هذا المشروع الذى يكرس فى الواقع الانتماء الطائفى للبنانيين، ويعمق التصويت المذهبى على حساب التصويت السياسى، هذا المشروع قد وجد من يدافع عنه بين دعاة العيش المشترك باعتباره يجعل مسيحيى لبنان هم من يصلون بنوابهم إلى البرلمان وليس أصوات المسلمين.
•••
على صعيد آخر، تتقاطع تعقيدات المشهد الداخلى اللبنانى مع التطورات المتلاحقة على الصعيد الإقليمى، من أول مسار الصراع الدائر فى سوريا والذى ينتظر اجتماعاً غير مؤكد الانعقاد لجينيف 2 فى الشهر المقبل، إلى فرملة الانفتاح الإيرانى على المجتمع الدولى بعد العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران ما يضع مستقبل اتفاق جينيف بخصوص الملف النووى الإيرانى فى مهب الريح، إلى تصاعد الاحتقان المذهبى السنى / الشيعى فى المنطقة برمتها وانعكساته العنيفة فى صيدا وطرابلس.
يتحدث بعض أهل الرأى فى لبنان عن أن الوضع قد استفحل إلى حد يتوجب معه عقد جينيف خاص بلبنان، وهو اقتراح يفترض أن ديناميات الصراع السياسى اللبنانى تنبع من داخله فيما يعلم الجميع أن خيط التسوية السياسية اللبنانية مربوط بعشرات القضايا والملفات الخارجية العالقة.