مولد أم هاشم - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:35 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

مولد أم هاشم

نشر فى : الأربعاء 22 يوليه 2009 - 11:08 م | آخر تحديث : الأربعاء 22 يوليه 2009 - 11:08 م

 ذَكَرتها غضبة شيوخ الطرق الصوفية ومريدى السيدة زينب من قرار إلغاء الاحتفال بمولد الست هذا العام خوفا من تفشى مرض إنفلونزا الخنازير، ذكَرتها بثورة دراويش أم العواجز فى رواية يحيى حقى «قنديل أم هاشم» عندما حطم الطبيب إسماعيل قنديل الست وأسال زيته الذى يتداوى به أهل الحى فأوسعوه لكما وضربا وداسوه بالأقدام وكادوا يفتكون به.

فى قنديل أم هاشم كما فى مولد أم هاشم يتقرب المصريون إلى آل البيت ويطلبون رضاهم ويثقون فى بركتهم ثقة لا محدودة. ففى الرواية اعتبر الشيخ الدرديرى حارس القنديل أن الزيت يشفى لا محالة، فإن لم يُشف من تطبب به فلأن أم هاشم «لم تشمله بعد برضاها» لآثامه أو لعدم تطهره. وكذلك فى الواقع اعتبر الشيخ محمد الشهاوى أحد شيوخ الطرق الصوفية أن اتباع هذه الطرق «محصنون ــ ضد كل مرض ــ ببركة أعمالهم وبركة ورضى آل البيت وأولياء الله الصالحين».

وفى القنديل كما فى المولد كان ما حرك مجاذيب الست هو ما شعروا به من اجتراء على المقدس مع فارق أساسى، أن من اجترأ على الزيت هو أحد أبناء حى السيدة زينب الذى أفقدته غربة السنوات السبع فى بريطانيا صوابه فما عاد يثق إلا فى العلم وما عاد يرى سواه إلا جهلا وخرافة، فى حين أن من اجترأ على المولد هو أحد رموز السلطة التنفيذية إذ جاء قرار محافظ القاهرة بمنع إحياء الموالد فى العاصمة تطبيقا لقرار مجلس الوزراء بتعطيل الموالد هذا العام فى مختلف أنحاء الجمهورية.

ولأن مصدر تهديد المقدس اختلف من القنديل إلى المولد، اختلف أيضا رد فعل المواطنين البسطاء فمعركتهم لم تكن مع شخص كما كان الحال مع الطبيب فى القنديل فأوسعوه ضربا وانتهى الأمر، لكن معركتهم كانت مع النظام نفسه فأداروها على نحو يستحق منا التأمل والتعليق، لأن المعركة تجسد بعض مستجدات التفاعل بين السلطة والمعارضة فى مصر على مدار السنوات القليلة الماضية.

بدأ الصوفيون بالتشكيك فى مبررات القرار الوزارى المعلنة أى منع انتشار انفلونزا الخنازير لاسيما مع كثافة حضور مولد أم هاشم إلى ما يقترب من 1.5 مليون زائر. وقدموا من جانبهم قائمة طويلة من الأسباب التى يرون أنها كانت وراء إقدام الحكومة على اتخاذ هذه الخطوة، ومن ذلك: ضرب الصوفيين لصالح «التيار السلفى المدعوم بأموال النفط»، ومحاربة التشيع الذى يمثل حب آل البيت ركيزته الأساسية، والدور الخفى للشيخ عبدالهادى القصبى شيخ الطريقة القصبية الذى يسعى لاقتناص لقب شيخ شيوخ الطرق الصوفية بالتقرب من الحكومة، وغضب «آل البيت وأولياء الله الصالحين مننا ومن سلوكياتنا وأخلاقنا». أما أغرب الأسباب التى قيلت فى هذا الخصوص فكان ما اعتبر الشيخ علاء أبوالعزايم شيخ الطريقة العزمية أنه «نوع من الغلاسة على الناس بتوع ربنا». فإذا كانت جميع الأسباب السابقة تعكس أزمة الثقة المزمنة بين السلطة والمواطنين، فإن «الغلاسة» تكشف عن أن هناك من يعتقد أن السلطة فى مصر لا هم لها إلا تعكير صفو المواطنين بسبب وبدون سبب على نحو يجسد بُعد المسافة بين الطرفين.
وساعد على التشكيك فى المبرر المعلن لقرار إلغاء الاحتفال بالموالد، تساهل الحكومة مع الكثير من التجمعات الضخمة التى يمكن أن تكون بحد ذاتها مصدرا لتفشى مرض إنفلونزا الخنازير، ومن قبيل ذلك مباريات كرة القدم، وحفلات كبار المطربين المصريين والعرب فى الساحل الشمالى. بل وتمييز الحكومة بين مولد وآخر، كما فى السماح بإحياء مولد الحامدية الشاذلية ورفض التصريح بإحياء مولد الشبراوية.
وبعد التشكيك انتقل الصوفيون وسواهم من مريدى الطاهرة إلى تحدى إرادة النظام بعبارات من نوع «الحكومة لا تجرؤ ولا تستطيع إلغاء الاحتفالات بمولد آل البيت»، و«المولد بإذن الله هايتم، لأن السيدة زينب رئيسة الديوان وأم الأيتام»، و«إحنا مش هنسيب الست ولو ذبحونا»، ونرفض «أن تعلق الحكومة خيبتها الثقيلة على شماعة الصوفية». مثل هذا الاجتراء على تحدى الحكومة هو حلقة فى سلسلة متصلة من مظاهر التعبير عن الغضب الجماهيرى كما تجسده حركات الإضراب والاعتصام والتظاهر التى يزخر بها المجتمع المصرى.

والاجتراء فى حالة المولد له أسبابه الروحية، كما رأينا، كما أن له أسبابه الاقتصادية، فمولد الست هو مناسبة لإطعام الفقراء من نذور المقتدرين التى تبدأ من الفول النابت وتنتهى باللحم، وفيه رواج لعشرات البضائع من حلوى وبخور وسواك وسبح تباع وتشترى. ولذلك فقد تكلم البعض بمرارة عن أن كل ما استطاعت الحكومة أن تفعله هو «التضييق على البائعين».

لكن إذا كان تحدى السلطة من طرف المواطنين لا يمثل ظاهرة جديدة، فإن تحايل أحد المحافظين على قرار المنع وسماحه بإقامة ثلاثة موالد فى أسبوع واحد داخل محافظة كفر الشيخ «خوفا من غضب أولياء الله الصالحين» إنما يعكس ضعف قدرة النظام على تعبئة التأييد المطلوب للقرار من داخله.

لقد انتهت رواية قنديل أم هاشم بتصالح الطبيب مع بيئته ومداواته أهل الحى معتمدا على العلم والإيمان فاسترد ثقتهم فيه وأقبلوا على عيادته، لكن على أى نحو يا ترى سوف تنتهى أزمة النظام مع معارضته المتنقلة من مولد إلى آخر.. عفوا من ساحة إلى أخرى؟

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات