عنوان هذا المقال مستوحٍ من قصيدة رائعة للشاعر الكبير صلاح جاهين كتبها فى ذروة حرب الاستنزاف، وتحديدا فى عام 1970، عندما أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية على مصنع أبوزعبل فقتلت وأصابت قرابة مائة وأربعين من عمال المصنع البسطاء. وصلاح جاهين هو ذلك المبدع الذى يمسك بين يديه بمفاتيح قلوبنا، يلهب حماسنا نشيده «ثوار لآخر مدى»، وتبهجنا رباعيته التى يقول الضحك فيها «يا سم للتكشير»، ويدهشنا حبه للحياة الممزوج بحب «المقابر والتُرب»، ونصلح هندامنا ونستوى واقفين لنظهر معه حين يهم بالتقاط «صورة». وفى عناوين جرانين المستقبل أو قصيدة أبوزعبل يبعث جاهين برسالة مؤداها أن دم العمال الشهداء لن يذهب سدى، فمن تضحيات هؤلاء وأمثالهم يتفتح الغد الجديد، ذلك الغد الذى تطالعنا فيه الجرانين بأخبار سارة نقرأها على النحو التالى:
الجو غدا يتحسن
معرض لزهور السوسن
الخطة الخمسية تنفذ
----
دستور وقوانين تعلن
حرية الدين تعلن
قوس تذكارى جارٍ عمله
طالين منه إحنا وح نفضل
إحنا العمال اللى انقتلوا
قدام المصنع فى أبوزعبل
بنغنى للدنيا ونتلو
عناوين جرانين المستقبل
ومع أن سياق القصيدة يختلف كليا عن السياق الذى أكتب فيه هذا المقال، إلا أن ذكراها الجميلة ألحت على بشدة وأنا أقرأ عناوين جرانين الأيام القليلة الماضية. هل لهذه العناوين أى معنى استثنائى بالنسبة لنا كمصريين؟ سؤال طرحته على نفسى ووجدت أنه يحتمل وبالدرجة نفسها من القوة الإجابة بنعم والإجابة بلا. فلو أنك اكتفيت بقراءة عناوين الصحف الخاصة سواء اليومية أو الأسبوعية فلا بد أنك ستدرك أن ثمة حجرا ضخما ألقى فى مياه السياسة المصرية الراكدة، أما إن لم تقرأ إلا عناوين الصحف الرسمية لانتهيت إلى أن لا شىء جديدا تحت الشمس، وكأن الناس غير الناس وكأن البلد غير البلد.
لقد انشغلت الصحف الخاصة منذ بضعة أشهر بقضية ترشيح بعض القوى الشعبية للدكتور محمد البرادعى منافسا على رئاسة الجمهورية فى الانتخابات المقبلة عام 2011. إلا أن وتيرة هذا الاهتمام تسارعت بما لا يقاس مع اقتراب موعد وصوله إلى القاهرة ثم وصوله فعلا. وكمثال فلو راجعنا عناوين تلك الصحف فى الأيام الثلاثة الممتدة من 18 إلى 20 فبراير الماضى فسوف نجدها تتبارى فى تصوير المشهد عشية وصول البرادعى، فتستعد له بحشد الرأى العام وبالذات شريحة الشباب منه ليكونوا فى استقبال المرشح الرئاسى، وتحذر من الاستنفار الأمنى المضاد الذى استبق وصول البرادعى بـ«اختطاف» منسق حملة استقباله ومنع أنصاره من كتابة عبارات تؤيده، وتنوه بأول حديث تليفزيونى يتحدث فيه البرادعى باستفاضة عن مشروعه للرئاسة. هذا فيما يخص الصفحة الأولى، أما فى باقى الصفحات فتوجد مقالات رأى وتحليلات، نجد فيها ما يلى: اختلاف حول تقييم ترشيح البرادعى من الحماسة الشديدة له إلى التوجس من بعض توجهاته إلى اتخاذ موقف وسط، أسئلة بالجملة تدور حول ما إذا كان البرادعى مطلوبا لذاته أم أنه أول الغيث؟ وهل هو راغب فعلا فى المنافسة أم أن المصريين المحبطين هم الذين أسقطوا عليه تمنياتهم؟ وهل الأمر برمته جد فى موضع هزل أم العكس؟.. وعلى حين تشتعل تلك الأسئلة فى الرءوس فإن زخما موازيا راح يصاحبه على شبكة الإنترنت وخصوصا على موقع الفيس بوك.
الآن من فضلك اترك الصحف الخاصة وانتقل إلى الصحيفة الرسمية الأهم «الأهرام» التى كتب عنها أحد الصحفيين فى 17 فبراير الماضى مشيدا بالتطور الذى دخل على صفحتها الأولى فجعلها تعكس فى عناوينها نبض الشارع المصرى. ودلل على رأيه بتغطية الأهرام الاحتجاجات الشعبية المتنامية، وفسر ذلك التطور الذى وصفه «بالانقلاب» فى حالة الأهرام المسائى بتغير رئاسة مجلس إدارة الأهرام من جهة والمنافسة القوية للصحف الخاصة من جهة أخرى.
اترك إذن الصحف الخاصة وانظر إلى الأهرام وستجد أن يومى الخميس والجمعة الماضيين أى عشية وصول البرادعى للقاهرة ثم وصوله إليها فعلا، خلت فيهما الصحيفة بالكلية من أى إشارة لهذا الحراك الجماهيرى الذى تشبع به وصوره الإعلام الخاص المرئى منه والمقروء والإلكترونى. لا خبر واحد لا فى الصفحة الأولى ولا فى الصفحات الداخلية. حتى إذا وصلت إلى يوم السبت أى اليوم التالى على قدوم البرادعى فسوف تجد إشارة للموضوع فى خبر صغير من تسعة أسطر فى الصفحة الأولى يقول إن الدكتور البرادعى عاد إلى القاهرة أمس بعد انتهاء عمله كمدير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكان فى استقباله فى المطار «مندوب من وزارة الخارجية وعدد من الشخصيات الثقافية والعامة»..
هكذا؟ ما الذى يفرق وفق مضمون هذا الخبر بين ظروف عودة الدكتور البرادعى وظروف عودة أى مواطن مصرى آخر انتهى عقد عمله فى الخليج مثلا؟ لا شىء. وهل هذه الشخصيات الثقافية والعامة التى ذهبت لاستقباله كانت لتشد الرحال إلى المطار لو أن العائد للقاهرة هو المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية... وبس؟ بالطبع لا. تقديرى أن التنويه بعودة البرادعى جاء بعد أن مر الأمر بسلام، وربما أيضا لأن الشحن الإعلامى ترك انطباعا بأن الذين سيكونون فى استقبال المرشح للرئاسة أكبر بكثير ممن ذهبوا إليه فعلا، هذا مع أن فكرة احتشاد ألف مواطن من محافظات مختلفة وذهابهم للمطار فى يوم إجازتهم الأسبوعية والأهم من ذلك ما سبق خروجهم من حملة توكيلات لا يمثل بالتأكيد مصدر ارتياح لهذه الصحف والقائمين عليها، لكن المقصود أن الإحراج لم يتعد الخط الأحمر، ويبقى السؤال: إذا كانت عناوين الجرانين الرسمية أو القومية تتجاهل منافسا محتملا ولو كان الاحتمال بعيدا فى الانتخابات الرئاسية المقبلة.. فعلى أى نحو يا ترى ستغطى أخبار المنافسة الانتخابية فى حينها؟ ننتظر لنرى.
غريب أمر هذا البلد، عندما يعود المنتخب القومى المصرى ظافرا فى مباراة لكرة القدم خارج الوطن يكون الكل جاهزا لاستقباله وتحتل أخبار هذا الاستقبال عناوين كل الصحف الرسمية والخاصة، أما حين يصل أمثال البرادعى إلى وطنهم فإن الشعب وحده هو الذى يذهب لاستقبالهم وتغيب طقوس هذا الاستقبال عن عناوين الصحف الرسمية. وهنا أعود إلى قصيدة صلاح جاهين لأقرأ فيها، وأشدد:
الجو غدا يتحسن
الجو غدا يتحسن.