أيام التحرير - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:49 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

أيام التحرير

نشر فى : الخميس 26 يناير 2012 - 9:20 ص | آخر تحديث : الخميس 26 يناير 2012 - 9:20 ص

فى الذكرى الأولى لثورة 25 يناير قضيتُ ساعات ممتعة مع كتاب إبراهيم عبدالمجيد «لكل أرض ميعاد ــ أيام التحرير». العنوان يمزج بين خبرة الكاتب مع الأيام الثمانية عشرة للثورة وبين تيمنه باستيلاد مصر الجديدة من رحم التحرير واستحضاره الشاعر الكبير محمود درويش إذ يقول:

 

كل أرض ولها ميلادها            كل فجر وله موعد ثائر

 

قبل أن تضع الجهود الكثيرة لتوثيق أحداث الثورة أوزارها مؤكد أن إبراهيم عبدالمجيد وآخرين مثله سيكونون مطلوبين للشهادة، فهو مبدع تجتمع فى جوفه روح الأديب مع خبرة الممارس السياسى مع رهافة إنسانية لا توصف. كيف ينظر مؤلف رائعة «لا أحد ينام فى الإسكندرية» إلى مظاهرات التحرير؟ أين هى من سابقاتها التى وصفها بأنها كانت مظاهرات معلبة ومخترقة من بلطجية النظام وقليلة العدد؟ هل هى محض تكرار لمظاهرات يناير 1977؟. عندما تقرأ وصفه للجدارية البشرية التى لا تصنعها إلا ثورة ويعنى بها حشود المصريين التى تملأ كوبرى 6 أكتوبر من السور إلى السور ومن رمسيس إلى التحرير، وعندما تنظر بعينيه إلى الشباب والشيوخ وأبناء كل الطوائف والفئات من مرتادى الميدان، وعندما تشاركه غضبه من مماطلة النظام وعناده، فقط عندها ستدرك أن كل ما سبق يناير كان عيونا تنفجر الواحدة تلو الأخرى، أما المصب فكان فى 25 يناير انتظارا لفيضان الثورة.

 

●●●

 

أديب فى العقد السابع من عمره يتأبط ذراع زوجته تيسير ويدور بها من شارع إلى شارع فى وسط القاهرة، الزمن لا يدخل فى حسبانه فهو ينزل فى الصباح وبعد المغرب وقرب الفجر، يهرب مع شباب الثورة من سيوف البلطجية ورصاص القناصة ويصعد مع زوجته لإحدى العمارات فيحل أهلا فقط لأنه صاحب رواية «لا أحد ينام فى الإسكندرية». هذه الرواية العلامة أنقذته مرتين، المرة الأولى حين فتحت له الباب السيدة المسنة التى هرب إلى عمارتها، والمرة الثانية حين استوقفته لجنة تفتيش شعبية ولم تتركه يمر إلا لأن له ملامح تشبه ملامح صاحب الرواية نفسها.

 

ما يستطيع أن يفعله رجل مثله فى ظل ثورة قليل، ومع ذلك هو يؤثر. فلا يستهون أحد بالمبادرات الصغيرة لأنها فى وقت الكرب تفعل مفعول السحر. يستوقفه فى الهزيع الأخير من الليل شابان يطلبان منه ومن زوجته الاتصال بأهليهما لطمأنتهم من تليفون أرضى فيرحبان. خشى الشابان أن تخور قواهما مع صوت الأم الهلوع على الطرف الآخر من الخط فقررا أن ينيبا عنهما من يقوم بالمهمة، وكان أن اختارا إبراهيم وتيسير. يستضيف مع زوجته شابا وشابة لاحتساء كوبين من الشاى يمتصان شحنة البرد والتوتر ويملأن جزءا من الأمعاء الخاوية، فيدخل الجميع إلى دار النشر المملوكة لإبراهيم فى منطقة معروف والتى تحمل اسما بديعا هو « بيت الياسمين». يمر مع تيسير على حلوانى «Exception» فيشتريان منه كرواسون وبعض الجاتوه ويحملانهم إلى ثوار التحرير، ويتبقى فى جيب إبراهيم خمسون جنيها لا غير لزوم الطوارئ.

 

دائما تيسير وإبراهيم، منذ اتخذها إبراهيم أما ثانية لولديه زياد وإياد وهى لا تفارقه، حتى إذا علمت بتعرض إياد لضرب مبرح على يد الأمن المركزى خطف قلبها رعب حقيقى فلم تهدأ إلا بزيارته « فى بيت الياسمين» الذى صار مركزا لإدارة الثورة. يدا بيد يمشيان، يدفع عنها الأذى فيسير هو قريبا من نهر الطريق، تؤلمه أصابعه فيلوذ بمقهى أو يفترش الرصيف وتجلس جواره، يتخذ من بيت شقيقتها تماضر فى عابدين مأوى لهما حتى يكونا قريبين من موقع الأحداث فلا يشعر فيه بغربة أبدا، تذهب إلى عملها يوم 9 فبراير ولا توقظه فيظل نائما حتى منتصف اليوم : هكذا يا تيسير؟. هى تصنع معه وقائع كتابه «أيام التحرير» فيكون أول ما يفعله أن يهديه لها.

 

●●●

 

تعيد إليك قراءة كتاب إبراهيم عبدالمجيد ذكرى ثمانية عشرة يوما بمباهجها التى بتنا نتحسر عليها ونحن نعيش أياما رديئة. نتذكر الجو النورانى الذى أشاعه قداس الميدان، وحفل الزفاف الأسطورى الذى حظى بتغطية كونية لوقائعه لأنه أحد إبداعات الثورة المصرية، وأغنية الشيخ إمام «يا مصر قومى وشدى الحيل» التى كانت ترج الأجساد وتُذهب اليأس، والأهم روح الفكاهة الممزوجة برائحة الدماء وتلك حولها قصص كثيرة تروى. حكى عبدالمجيد عن شابة مسيحية كانت تحاول إسعاف مصاب شارف على الموت فتدلك صدره بيدها وتتمتم «يا يسوع.. يا يسوع»، فإذا بالمصاب يفتح عينيه ويتلو الشهادة لتمازحه هى بالقول «زى بعضه اللى يعجبك بس ما تموتش». لكن كتاب عبدالمجيد يعيد إلينا أيضا ذكرى أيام قاسية معجونة بالقلق والترقب والشك والخوف، فليس صحيحا أن الثائر أو المحارب لا يخاف، إنما الأدق أنه لا يترك خوفه يتسلط عليه. وهكذا أطلت علينا من بين سطور عبدالمجيد صورة السيارة الفان البيضاء التى كانت تدهس كل من يصادفها، والرصاصات الطائشة القاتلة التى تنطلق من عربات مندفعة تجوب أحياء القاهرة وميادينها، وطائرات إف 16 التى حلقت فوق سماء التحرير فاشتعلت رؤوس الثوار بسؤال: ماذا بعد؟، وخراطيم المياه المصوبة بكثافة على الركع السجود وهم غير مبالين، والعربات المصفحة التى هربت بقيادات الداخلية وتركت الجنود يواجهون مصيرهم فى خسة مطلقة، وطبعا خطب مبارك المتأخرة فى التوقيت والمضمون بينما نحن نحبس أنفاسنا.

 

ليس صحيحا ولو من باب الدعابة أن تأخير خطب مبارك جاء ليناسب فارق التوقيت بين مصر وأمريكا، ببساطة لأنه تأخير طبيعى وليس عمديا، إنه آفة صنع القرار فى مصر فى عهد مبارك. ولو لم يكن الأمر كذلك فقل لى مثلا ما هو معنى اعتقال إبراهيم عبدالمجيد فى عام 1985 بتهمة الانتماء لحزب تروتسكى وهو الذى ودع العمل السرى فى عام 1977 وودع كل الحياة الحزبية فى عام 1985؟ المعنى يكمن فى سوء التوقيت والتقدير معا.

 

●●●

 

لا يمثل تقييم مواقف القوى الوطنية المختلفة بؤرة أساسية من بؤر كتاب عبدالمجيد، لكنه مر على كثير من تلك المواقف ناقدا. انتقد عبدالمجيد النقابات المهنية المداهنة للسلطة والأحزاب السياسية الكرتونية واتحاد الكتاب المنقسم على نفسه، وانتقد بشياكة أسلوب البرادعى فى إدارة المعارضة عن بعد. أما أكثر النقد فقد أصاب جماعة الإخوان المسلمين وكان ذلك فى مناسبتين، الأولى حين أبرمت الجماعة صفقة سياسية مع نظام مبارك ففازت بـ88 من المقاعد البرلمانية وكأنها لم تقرأ التاريخ، والثانية حين دخلت الجماعة فى حوار مع نظام مبارك وجلست مع نائبه عمر سليمان وأعطت ظهرها للثوار. ومع ذلك فإن عبدالمجيد تفهم مثلا موقف كل من قيادة الإخوان والكنيسة الأرثوذكسية من رفض المشاركة يوم 25 يناير مخافة تقديم أولئك وهؤلاء قربانا على مذبح الثورة. تختلف فى هذا الرأى مع عبدالمجيد أو تتفق، لكن صعب أن تتهمه بعدم الموضوعية.

 

تربطك بكتاب إبراهيم عبدالمجيد وجوه كثيرة تعرفها وربما تربطك بها علاقات صداقة أو عمل قديم، لكن أكثر ما يربطك بالكتاب هو بساطة أسلوبه، فصيح أحيانا عامى غالبا قريب منك دائما. إقرأ له جملة واحدة موجزة ومعبرة مثل «الشتاء يأتى بالثورة»، أو إقرأ نقلا عنه عبارة مشغولة بحرفية تقول « أحس أن الله يكاد ينتهى من إكليل الغار الذى سيتوج به ثوار ميدان التحرير، إقرأ واكتشف الجمال الذى يسكن قلم هذا الكاتب. هو قال فى تقديم كتابه إنه يحتاج فى وصف أيام التحرير «إلى لغة من السماء»، وأقول إن بين لغة الكتاب ولغة السماء همزة وصل هى بساطة الكلمة.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات