الغلط فين؟ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:42 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الغلط فين؟

نشر فى : الخميس 26 أغسطس 2010 - 10:15 ص | آخر تحديث : الخميس 26 أغسطس 2010 - 10:15 ص

 اعترضت نقابة التمريض على مسلسل «زهرة وأزواجها الخمسة» وطالب النقيب بوقف عرضه على التليفزيون المصرى والقنوات الفضائية بسبب إساءته لسمعة الممرضات، فبطلته تسرق الأدوية من المستشفى وتأتى أفعالا منافية للأخلاق والشرع. كان هذا رد فعل نقابة التمريض على عرض مسلسل زهرة، وهو ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير. ففى عديد من المرات التى جسدت فيها الأعمال الدرامية الانحراف فى بعض المهن ارتفع صوت مزاوليها بالاحتجاج ومنهم من حرك دعاوى قضائية لوقف العرض أو التعويض أو كليهما.

حدث ذلك مع أعمال كشفت عن ممارسات سلبية لبعض المحامين (من قبيلها فيلما الأفوكاتو وطيور الظلام ومسلسلات ابن الأرندلى وسكة الهلالى وقضية رأى عام)، وبعض رجال الشرطة (فى أفلام مثل البرىء وهى فوضى؟)، وبعض الصحفيين (كما حدث مع مسلسل وكالة عطية)، وبعض أطباء التجميل (فى فيلم بعنوان دكتور سيلكون). عند تأمل هذه الظاهرة سنلاحظ أولا أن الاعتراض على التجسيد الدرامى للمهن المختلفة له تاريخ طويل مع حساسية خاصة تتعلق برموز السلطة (أفلام شىء من الخوف ويوميات نائب فى الأرياف وزائر الفجر فى الستينيات والسبعينيات، وأفلام لاشين ومسمار جحا فى الثلاثينيات والأربعينيات)، لكن تسارعت وتيرة الاعتراض فى السنوات القليلة الماضية خاصة مع ثورة الاتصال. ثانيا كان الاعتراض حتى نهاية التسعينيات مبعثه أساسا جهات رسمية ثم تحولت الدفة إلى المنتسبين للمهنة وأولاد الكار نفسه، وهذا يعنى أن المجتمع المدنى ليس ديمقراطيا بالضرورة. ثالثا إن المحامين هم أصحاب أكبر عدد من الدعاوى القضائية بحكم خبرتهم العملية مع إجراءات التقاضى. ومن الطريف أن أحد المحامين فسر الاجتراء الفنى على نقد مهنته بسبب عجيب هو أنه بعد الثورة «مابقاش فيه كبير».

لو أن أى سينارست أطلق العنان لخياله قبل بضعة أشهر لما أوصله إلى تصوير العراك الذى شهدنا تطوراته المؤسفة بين المحامين والقضاة، عراك استٌخدمت فيه عبارات مؤذية، وتخللته أعمال شغب، وُرفعت لافتات من نوع «يا خليفة قول للزند عنف بعنف وعند بعند». ولو أن هذا السينارست نفسه أراد التعرض لظاهرة التعذيب على أيدى بعض رجال الشرطة لما جرؤ على أن يفطر قلوبنا بصورة مشوهة الملامح لشاب كان له وجه القمر كما حدث مع خالد سعيد. ولو أنه فتح ملف طب التجميل لما تمكن من تصوير كيف حرم هذا التجميل بعض كبار فناناتنا من القدرة على التعبير الصادق عن مشاعرهن. ولو عنَ له أن يكتب عملا بطله مذيع يرتكب جريمة قتل لكان آخر من يذهب إليه تفكيره هو قارئ نشرة الأخبار بالتليفزيون المصرى كما حدث مؤخرا. ومؤكد أن هذا السينارست لو لم يكن حريصا فى رسم ملامح شخصياته المذكورة لرُفعت عليه عشرات القضايا، فاستوعب الدرس ولم يكرر التجربة.

كيف نفسر اتفاقنا على أن هناك ترديا عاما فى الأخلاق على مستوى كل المهن ونستميت فى الوقت نفسه فى الدفاع عن سمعة المهنة؟ هل كان هناك أقسى من قلم نجيب محفوظ فى رسم شخصية رءوف علوان فى رواية اللص والكلاب أو من قلم فتحى غانم فى تحليل شخصية يوسف السيوفى فى رواية الرجل الذى فقد ظله وبعض سلبيات صاحبة الجلالة فى رواية زينب والعرش؟ فى هذه الأعمال الأدبية التى تجسدت دراميا كان الأبطال صحفيين انتهازيين بدلوا ولاءاتهم وحاولوا تبديل طبقاتهم، ومع أنهم كانوا فى حينهم يمثلون الاستثناء ولا يشكلون ظاهرة إلا أن الجرأة فى التناول كانت أكثر والتسامح فى تقبل النقد كان أكبر.

ولو وسعنا دائرة التحليل سنجد أن المسألة لا تتعلق فقط بحساسية أصحاب المهن المختلفة للانتقاد، لكن هذه الحساسية موجودة عند كل التيارات السياسية وأيضا لدى المسلمين والمسيحيين. كلنا نذكر الضجة التى أثارتها أعمال درامية مثل فيلم بحب السيما لأن البطلة زوجة مسيحية مارست الرذيلة، أو مثل فيلم كلمنى شكرا لأن البطل سيئ السلوك ويتخذ من الإسلام ستارا.

أخلص فى النهاية إلى سؤال مهم هو: إذا كان الممرضون والصحفيون والمحامون ورجال الشرطة والأطباء ورموز النظام لا يغلطون، وإذا كنا كمسلمين ومسيحيين نسير على الصراط المستقيم فهلا دلنى أحد من ذا الذى يغلط فى هذا البلد أو بتعبير آخر الغلط فين؟ أثير سؤالى مع كل الاحترام للإعلامى الكبير الراحل على فايق زغلول الذى أمتعنا طيلة ربع قرن ببرنامج إذاعى له العنوان نفسه: الغلط فين؟ا

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات