لم يعد ينافس اهتمام العالم بتطورات الوضع فى سوريا، إلا اهتمامه بالجديد الذى يحمله معه الرئيس الإيرانى حسن روحانى. فعلى الرغم من أن روحانى قد تسلم سلطته فقط فى الثالث من أغسطس الماضى أى قبل أقل من شهرين، إلا أنه أصبح حديث الإعلام الدولى، وتصدرت آراؤه التى عبر عنها سواء فى لقائه مع محطة إن بى سى أو فى مقاله فى الواشنطن بوست، تصدرت مختلف النشرات والصحف العالمية ومن خلفها أسئلة مثل: هل يعيد روحانى تطبيع العلاقات الدولية لإيران بعد أربعة وثلاثين عاما من الجفاء والصراع والعقوبات؟ ما الذى يميز روحانى عن رفسنجانى داعية التعاون الدولى وخاتمى داعية حوار الحضارات؟ إلى حد تعبر أفكار روحانى عن إرادة المرشد على خامئنى صاحب القول الفصل لاسيما فى قضيتى الملف النووى والعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية؟
•••
فى آرائه المعلنة دعا روحانى إلى تبنى الاستراتيجية التى أطلق عليها «المشاركة البناءة»، وجوهرها أن العالم يواجه جملة من التحديات المشتركة على رأسها الإرهاب والتطرف والتدخل العسكرى الخارجى وتجارة المخدرات والجرائم الإلكترونية والتعدى الثقافى. وهذا الترتيب للتحديات يعكس ذكاء فى مخاطبة الغرب إذ يضع على قائمة الأولويات قضية مواجهة الإرهاب والتطرف، ويمرر قضايا التدخل العسكرى والتعدى الثقافى التى تعنى الدول النامية وبالذات الإسلامية والعربية فى ركاب قضايا أخرى تهم العالم المتقدم كتجارة المخدرات والجرائم الإلكترونية. وحرص روحانى على إبراز فساد النهج الدولى المتبع حتى الآن فى التعاطى مع تلك التحديات، وهو النهج القائم على استخدام القوة الخشنة لا على اعتماد الشراكة، وعلى منطق المباراة الصفرية لا على مبدأ التعاون الدولى وتبادل المصالح. ودلل على فساد النهج السابق بأنه لم ينجح فى القضاء على المشكلات الدولية، فها هى العراق وأفغانستان وسوريا تتحول إلى بؤر عنف وساحات اقتتال. وعرض مساعدةبلاده فى إزالة أسباب العنف سواء فى سوريا أو البحرين، أو على مستوى المنطقة ككل والعالم أجمع. الربط بين سوريا والبحرين يبدو لنا خارج السياق لأنه شتان ما بين الحالتين، لكن فى الحقيقة فإنه ربط مقصود لإبراز أن أزمات المنطقة حزمة واحدة، وبالتالى فإن تسويتها يحتاج إلى معالجة شاملة تأخذ بعين الاعتبار قدرة إيران على التأثير فى عدة ساحات. ولأن الملف النووى هو عقدة العقد فى علاقة إيران بالغرب فإنه يخوض فيه مباشرة، يعرض التفاوض ولا يمانع حتى فى التفاوض مع الولايات المتحدة.
•••
ما سبق إذن كان طرح روحانى الداعى لإحلال التعاون الدولى محل الصراع، فما يميزه إذن عن خاتمى ورفسنجانى؟.. بداية بخاتمى فإنه كان معنيا أكثر بالتعاون الثقافى منه بالتفاصيل السياسية والاقتصادية، أما فيما يخص رفسنجانى فمع أنه الرمز الأبرز للبراجماتية كما أن روحانى من دعاتها، إلا أنه فى مسألة الملف النووى بالذات بلا تاريخ. وبالمقارنة فإن روحانى هو صانع اتفاق عام 2003 مع الترويكا الأوروبية الذى جمد بمقتضاه تخصيب اليوارنيوم لبلاده، مقابل عدم عرض الملف النووى على مجلس الأمن حتى تولى نجاد السلطة عام 2005 فسارت الأمور فى اتجاه آخر. القصد أن روحانى له إنجاز فى هذا الشأن، من هنا يطلَق عليه بانى الوفاق، وصانع الصفقات، والسياسى الذى يجيد الديالوج لا المونولوج إلى آخر تلك الصفات التى تعبر عن مرونته الشديدة. وهذا أهله منذ وقت مبكر ليلعب دورا حاسما كما فى وساطته عام 1986 لإتمام صفقة إيران- كونترا مع الولايات المتحدة. الأهم من قدرة روحانى على إنجاز الصفقات قدرته على إنقاذ بلاده فى اللحظة المناسبة، حدث ذلك فى الثمانينات عندما احتاجت إيران بشدة إلى السلاح، وتكرر فى مطلع الألفية الثالثة عندما حال دون التصعيد فى الملف النووى، وها هو يعرض التفاوض مجددا فى ظرف بالغ الحرج تطبق فيه الأزمة الاقتصادية خناقها على بلاده، وتستعد سوريا لتدمير أسلحتها الكيماوية فى خصم مباشر من قوتها العربية ومن قوة إيران الإقليمية، وتختلط فيه مسارات دول الربيع العربى على نحو يصعب معه توقع مستقبلها، وتنتشر خلايا تنظيم القاعدة فى دول مجاورة لإيران أو حليفتها.
•••
يبقى السؤال ما هى حدود صلاحيات روحانى لإجراء هذه النقلة النوعية فى سياسة إيران الخارجية؟.. الإجابة هى أنه لا يعقل فى نظام سياسى كالنظام الإيرانى يُقدم رئيس جديد للجمهورية على هكذا تغيير من دون موافقة المرشد، فأمامه أربع سنوات كحد أدنى فى السلطة ويمكن إعادة انتخابه مجددا، ومن خلفه تجربة مريرة لصراع نجاد/ خامنئى كادت تتسبب فى إقدام المرشد على إلغاء منصب الرئيس بالكلية. وبالتالى فعندما نتحدث عن تغيير فى السياسية الخارجية لإيران فإننا نفهم أن ذلك يتم بضوء أخضر كامل من المرشد. يؤكد خامنئى على حرمة امتلاك أى دولة للسلاح النووى فيذكر روحانى أنه لا نيه لبلاده فى حيازة هذا السلاح، ويربط خامنئى المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة بالندية والإقرار بحق بلاده فى التكنولوجيا النووية السلمية فلا يمانع روحانى بدوره، ويطالب خامنئى الحرس الثورى بالابتعاد عن السياسة ليحيد دوره فى عرقلة التغييرات المقبلة فيطالب روحانى الحرس الثورى بالابتعاد عن «ألعاب السياسة» مستشهدا بمقولة للإمام الخمينى فى هذا الشأن، ولا يدرى المرء أين كان موضع الاستشهاد بتلك المقولة من دور الحرس داخل إيران وفى العديد من دول الجوار.
•••
لا توجد وصفة واحدة لحماية المصالح الوطنية للدولة، وقد جربت إيران المواجهة مع الغرب طوال فترة حكم نجاد وعانت من ذلك سياسيا واقتصاديا، الآن هى تبحث عن وصفة جديدة. وبوسع روحانى التسويق شعبيا لفكرة التفاوض النووى طالما أن تجربة عام 2003 جنبت بلاده الأذى، وفى الوقت نفسه لم تمنعها من تحسين قدراتها التقنية ما يسر لها لاحقا استئناف التخصيب وزيادته بنسبة أعلى، وهذا ما سيمثل تحديا لأى مفاوضات مقبلة. فلننظر إذن إلى روحانى ففى جعبته الكثير الذى سيعيد تشكيل التفاعلات الإقليمية والدولية، وعلينا أن نبحث عن موقعنا منها قبل فوات الأوان.