فى زحمة الأحداث التى يموج بها الوطن لم ينتبه كثيرون إلى مشروع القرار بقانون الذى أعدته لجنة التعليم بمجلس الشورى بالتعاون مع وزارات التربية والتعليم والتعليم العالى والبحث العلمى لإنشاء «المجلس الوطنى للتعليم والبحث العلمي». المشروع الذى خرج من اللجنة فى 18 مارس الجارى ينطوى على آثار كارثية على مجمل العملية التعليمية، ويشير إلى نية واضحة فى تأميم التعليم كما سوف يتبين من استعراض عناصره المختلفة، لكن قبل الشروع فى ذلك، يهمنى لفت الانتباه إلى التوقيتات المختلفة المرتبطة به والتى تميزها العجلة الشديدة فى التعامل مع قرار بالغ الخطورة على مستقبل التعليم فى مصر، الأمر الذى يؤكد شعورا داخليا بعدم الارتياح للفكرة ولمن يدعمها. قلت إن المشروع يحمل تاريخ 18 مارس الجارى، وقد وصل إلى عدد من عمداء الكليات لاستطلاع آرائهم فيه ظهر يوم الخميس 21 مارس، وجرى التنبيه على أن المطلوب هو الرد عليه يوم السبت 23 مارس. ومعنى هذا أنه بفرض أن العميد كان فى اجتماع خارج كليته، فإنه لن يطلع عليه، وإن هو اطلع عليه فلن تكون أمامه أى فرصة للتداول فيه مع الوكلاء ورؤساء الأقسام والأساتذة لأن اليوم التالى عطلة. أخطر من ذلك فإن المشروع لم يٌعمَم على كافة عمداء الكليات، ومنهم عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة على سبيل المثال التى علمت به عن طريقى وهى بصدد إثارة الأمر فى مجلس الجامعة. وبينما حدث ذلك فإن وزير التربية والتعليم فى لقائه مع دكتور حسام بدراوى فى 12 مارس لبحث سبل تطوير التعليم أشار إلى أنه يفكر فى نقل تبعية الهيئة القومية لضمان الجودة والتعليم إلى المجلس الوطنى الذى كان فى ذلك التاريخ ما يزال فى علم الغيب ولم يخرج بعد مشروعه من مجلس الشورى، وهذا يفيد أن العمداء وافقوا أو لم يوافقوا فإن الأمر تحصيل حاصل وأن وزير التربية والتعليم تعامل مع المجلس الوطنى وكأنه قائم بالفعل، حتى أنه لم يهتم فى مقابلته مع د. بدراوى بشرح ما هو المجلس الوطنى وكأن الجميع على علم بتفاصيله، ألا أنهم هم وحدهم الذين يعلمون ما يدبرون.
●●●
نأتى بعد ذلك لمناقشة تشكيل المجلس الوطنى كما هو موضح فى المادتين الرابعة والخامسة من القرار، فنجد أن خطوات التشكيل كالتالى: لجنة التعليم والبحث العلمى بمجلس الشورى تختار سبعة أعضاء لتكوين لجنة استشارية، وتقوم هذه الأخيرة باختيار خمسة وثلاثين عضوا من الترشيحات التى ترسلها الجهات المعنية، على أن يراعى فى المرشح: أن يكون من الخبراء والمفكرين المتميزين فى أىٍ من مجالات التعليم، وأن يكون مصريا ومتمتعا بحقوقه المادية والسياسية، وأن يكون حسن السمعة لم يصدر ضده حكم نهائى فى جناية أو جريمة ماسة بالشرف أو الأمانة، وألا يكون من الوزراء أو مستشاريهم أو كبار الموظفين التنفيذيين، وألا تتعارض مصالحه مع واجباته. ثم بعد ذك يُعرض الاختيار على رئيس الجمهورية ليصدر قرار تعيين أعضاء المجلس الوطنى، ويختار هو رئيس المجلس بعد موافقة مجلس الشورى، علما بأنه لا يتم عزل رئيس المجلس إلا بموافقة أغلبية الشورى. أما مدة المجلس فأربع سنوات تجدد مرة واحدة.
يلاحظ على هذا التشكيل أولا أنه يعطى حق تشكيل لجنة اختيار أعضاء المجلس الوطنى وعزل رئيسه لمجلس الشورى الذى هو باق فى مكانه لا لشئ إلا لأن رئيس الجمهورية حصنه من الحل وإلا لكان لحق بمجلس الشعب من شهور. وهنا فإن من حق الواحد منا أن يتوقف أمام اتجاه مجلس الشورى لتوسيع صلاحياته لأن واقعة المجلس الوطنى سبقتها واقعة المجلس القومى للمرأة الذى طالب الشورى بأن يتبعه مباشرة، ويسأل أى حدود ستتوقف عندها تطلعات الشورى بالضبط؟
ويلاحظ ثانيا أن المعايير المطلوبة فى المرشحين تتوفر فى عدد كبير جدا ممن يتمتعون بلقب خبير أو مفكر فالقرار لا يحدد نوع المؤهل التعليمى المطلوب فى أشخاص سيصير تعليم مصر من ألفه إلى يائه ملك يمينهم، بما فى ذلك التعليم ما بعد الجامعى، وهذا باب مفتوح على مصراعيه أمام أهل الثقة على حساب أهل العلم، وشد ما نعانى غيابهم تلك الأيام.
يقودنا ذلك إلى مناقشة صلاحيات هذا المجلس، وهى بالغة الضخامة على المستويين الأفقى والرأسى. رأسيا تشير المادة الثالثة إلى أن المجلس الوطنى يختص بكل أنواع التعليم وجميع مراحله، أى أنه يشمل التعليم الفنى والأزهرى والعام، ويغطى ما قبل الجامعى والجامعى وما بعده. وأفقيا يجمع المجلس وفق المادة نفسها بين يديه سلطة وضع سياسة التعليم أى استراتيجيته، ويراقب تنفيذها ويقيمه، ويبدى الرأى فى مشروعات القوانين واللوائح ذات الصلة.
مثل هذا الاتساع يؤدى إلى تأميم مختلف أنواع التعليم ومراحله بتركيزه فى جهة واحدة. وهو يخل بأبسط قواعد الإدارة التى تقضى بأن من يصنع السياسة لا ينفذها ولا يتولى تقييم التنفيذ. ثم أن مهام المجلس تتداخل مع مهام العديد من الجهات وعلى رأسها وزارات التربية والتعليم والتعليم العالى والبحث العلمى التى لا أدرى كيف وافق مسؤولوها على التنسيق مع لجنة الشورى فى إعداد مشروع القانون. ثم من باب الفضول وبحكم المهنة أسأل أين هو المجلس الأعلى للجامعات من كل هذا؟ إن تجارب الدول الأخرى التى شهدت تأسيس مجالس وطنية للتعليم بهدف التنسيق بين مراحل التعليم المختلفة وربط نوع التعليم باحتياجات السوق المحلية وما شابه، كلها تفصل بين رسم الاستراتيجية ومراقبة تنفيذها، أما مجلسنا الوطنى إن قُدِر له أن يرى النور فينشأ ككيان موازٍ للكيانات القائمة وينافسها فى اختصاصاتها. يُذكر أن المادة التاسعة تنص على أن يرفع المجلس تقاريره لرئيس الجمهورية ومجلس النواب والشورى خلال ثلاثين يوما من صدورها، وأن مجلس النواب يتخذ ما يراه بشأنها فى غضون ستة أشهر، وفى هذا قفز على كل الأجهزة والوزارات المعنية بالتعليم.
●●●
إن المعركة الجديدة للنظام فيما يبدو ستكون مع قنوات التنشئة السياسية، فبعد معركة الإعلام بتفاصيلها المعروفة وبواكير المعركة مع الأحزاب والحركات السياسية المختلفة، ها هى تبدأ معركة الجامعات من خلال المجلس الوطنى المزمع وأيضا من خلال القرار المهين لوزير التعليم العالى الذى يربط حصول الأستاذ على بدل الجامعة (3000 جنيه فقط لا غير) بكتابة تقرير يومى عن نشاطه من الأحد إلى الخميس يحدد فيه ما فعل ومن التقى وعلى ماذا أشرف، فما لم ننتبه إلى هذه الهجمة الشرسة على التعليم فلا عزاء للدكتور محمد أبو الغار وأعضاء حركة 9 مارس ولكل المدافعين عن استقلال الجامعات المصرية.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة