فى ذاكرتى ثلاث لقطات لا أنساها قط، اللقطة الأولى لفتاة دون العاشرة يصحبها أبوها فى أحد أيام الجمعة يركب بها القطار الذى ينطلق من الفيوم أو طنطا ويسلمها لمخدومتها فى القاهرة أو الإسكندرية ويقبض مقابل شقاها مقدما ستة شهور على الأقل، فيكون أول ما تفعله المخدومة بالطفلة البائسة أن تقص شعرها أو تغرقه بالجاز من باب النظافة هى تقول، ومن باب الإذلال هذا هو الواقع. لم يكن حجاب الرأس معروفا فى الخمسينيات ولا الستينيات، لكن عاملات المنازل الصغيرات وحدهن كان يُفرض عليهن إخفاء ما تبقى من شعورهن. وقد ظلت الطبقة البورجوازية تعتبر أن من خطايا عبدالناصر التى لا تغتفر سياسة الإصلاح الزراعى، ليس فقط لأنها أخذت ممن يملك وأعطت من لا يملك، لكن أيضا لأن من لا يملك أصبح يجد قوت يومه وربما، أقول ربما يجعله ذلك يفكر مرتين قبل أن يُودع ابنته لدى إحدى الأسر لتقوم على خدمتها. فى كل مرة رأيت فيها نظرة الانكسار فى عين الطفلة الصغيرة التى اجتث شعرها دون اعتناء كنت أكره هذا المجتمع الذى اجترأ على تاج براءتها، وأجرى على لسانها فى سادية غريبة لقب سيدى أو ستى.
اللقطة الثانية لى أنا شخصيا عندما مرض أخى الأوسط بمرض عضال حار فى أمره الأطباء وملأ رأس أمى بعشرات الهواجس والمخاوف وتطلب منها تفرغا كاملا كى تقوم على عيادته حتى تنقشع الغمة. فى هذا الظرف العصيب كان تمشيط شعر الإبنة الصغرى التى هى أنا ترفا غير مقبول، لذلك قررت أمى صباح أحد الأيام أن تتخلص من شعرى حتى لا تستغرق وقتا فى تجهيزى للذهاب إلى المدرسة. كنت فى السادسة ولم أدر يومها لماذا كان على أن أدفع ثمن مرض أخى، ولا تعاطفت مع فكرة أن الدقائق اللازمة لتمشيط شعرى يمكن أن تسهم فى تقديم خدمة طبية أفضل له. لكن هذا ما كان، وعندما نظرتُ إلى وجهى فى المرآة شعرت أننى أمام طفلة أخرى، ولم تفلح محاولات أمى وقد لاحظت جزعى، لم تفلح فى تهدئتى وهى تطمئننى قائلة: لا تبتئسى صغيرتى سيطول شعرك قريبا ويعود كما كان. نسيت أشياء كثيرة بعد هذا اليوم، ونسيت أشياء أكثر قبله، أما هذا اليوم نفسه فمحفور فى ذاكرتى.
اللقطة الثالثة لابنتى، وكنت ككل الأمهات أنتهز فرصة الإجازة الأسبوعية من المدرسة لأقضى لابنتى بعض حوائجها، زيارة طبيب الأسنان، تفصيل مريلة أو ثوب، تهذيب الشعر بين وقت وآخر. حبيبتى لم أكن أعلم كم أؤلمك حين أسلمك إلى «أنيتا» الكوافيرة التى كانت تأتى لبيتنا يوم الأحد كل بضعة أشهر لتقص لك سنتيمترات قليلة من شعرك، لم أكن أعلم إلا حين رأيتُ الدموع ذات مرة فى عينيك وهمستِ لى بلثغة تقطر براءة « أنيتا بلاس». توقفت بعدها من فورى وتركت لك شعرك تفعلين به ما تشائين، لكنى تركت أيضا داخلك جرحا يؤلم لا تكفى كل مفردات الاعتذار لتكفر عنه، عذرى أننى لم أعرف. لم تنِس حبيبتى هذا اليوم، ولا نسيته أنا أبدا، وعندما أرى شعر ابنتك الجميلة حرا غير ممشط أفهم الرسالة جيدا وأقدر أنك أوعى منى وأفهم.
•••
عندما شاهدت إحدى الطفلتين الصغيرتين بعد أن قَصَت مُدرَسة الأقصر شعريهما، تدفقت إلى رأسى ذكريات الأمس البعيد جدا. الصورة التى نُشرت على نطاق واسع كانت لفتاة سمراء مصرية الملامح، تتدلى ضفيرتاها الناحلتان المقصوصتان على أذنيها، ترتدى مريلة كاكية اللون وتعلق حقيبة كتب على كتفيها. أما وجهها، وآه من وجهها فكان للأرض خزيا أو ذلا أو ارتباكا من كل هذا الضوء وتلك الضوضاء. هذه الفتاة تشبهنى وتشبه ابنتى وتشبه عاملة المنزل الصغيرة، تشبه كل فتاة اجتث شعرها رغم إرادتها ولو من باب حسن النية. أما هذه المُدرِسة فإنها تشبه قطاع الطرق، أخفت مقصا فى حقيبتها كما يخفون السلاح الأبيض فى ثنايا ملابسهم، وانقضت على فريستها الضعيفة كما أنهم يفترسون ضحاياهم. أن تخفى هذه المرأة وجهها عن صغار هذه أصلا جريمة، فكيف بالاجتراء على أبدانهم ثأرا لهيبتها !. رياض الأطفال والمدارس الابتدائية ليست مشافى للمرضى النفسيين والمهجوسين بالعورات وزواج القاصرات، والدول التى تعرف قيمة الإنسان هى وحدها التى تعهد بتعليم الصغار وتربيتهم إلى خيار مدرسيها، فالنبتة الصغيرة هى التى تحتاج الرعاية والعود المعوج لا يستقيم مع الأيام. إن عزلتم هذه المدرسة عن تعليم الصغار فهذا خير،أما خصم شهر أو أكثر فسوف يعيدها لتنتقم، وربما قبل انقضاء المدة تجد من يخرج مدافعا عنها ويتظاهر للمطالبة بأخته إيمان. ولنحتفى جميعا بوالدى الصغيرتين فوجودهم يبقى جذوة الأمل فى المستقبل طالما بيننا ومن الصعيد الجوانى من يحفظ حقه فى السباحة ضد التيار.
طيور الظلام تقص ضفائر البنات، تغار منها، تحقد عليها، أما الأسوياء من خلق الله فيتغزلون فى جمال بناتهم، وينشدون مع الرائع صلاح جاهين قصيدته التى كتبها لابنته الكبرى أمينة:
يا بنت يا ام المريلة كحلى
يا شمس هاله وطاله مالكولة
لو قلت عنك ف الغزل قوله
ممنوع علىّ ولامسموحلى
راحو الصبايا والصبايا جم
أجمل ما فيهم مين غير بنتى
وأجمل ما فيك يا بنتى إن انت
ف عينيك الننى حنان الأم