الحكم قبل المداولة - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:14 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الحكم قبل المداولة

نشر فى : الخميس 29 نوفمبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 29 نوفمبر 2012 - 8:00 ص

صنع القرار مثل حكم القضاء يمر بمجموعة من المراحل القصد منها أن تضمن له الرشادة وتحقق له الشرعية. المرحلة الأولى هى دراسة القضية بمختلف أبعادها وتكوين رأى مبدئى فيها استنادا لعدد من الأدلة والبراهين. المرحلة الثانية هى التشاور مع أهل الخبرة فى القرارات السياسية والاقتصادية، ومع عضوى الميمنة والميسرة فى الأحكام القضائية. المرحلة الثالثة هى الصياغة المُحكمة للقرار أو الحكم وإعلانه للرأى العام أو المتقاضين. المرحلة الأخيرة هى تعديل القرار أو إلغاؤه إذا ما تبينت نقائصه، وفتح الباب للجوء لدرجات التقاضى المختلفة وصولا إلى محكمة النقض.

 

 

 

•••

 

 

 

أما الإعلان غير الدستورى الصادر فى 21 نوفمبر فإنه لم يلتزم بأى من المراحل السابقة فكانت النتيجة فتنة كبرى وتعميق الشرخ الذى أحدثته التعديلات الدستورية فى مارس 2011. أعمال عنف تجتاح المحافظات، مقتل صبى فى عمر الزهور يعلم الله وحده عدد من سيلحقه من المصابين، انقسام فى الهيئات القضائية والمؤسسات النقابية، توزع الجماهير بين ميادين مصر وشوارعها، إفساد للضمائر بتجييش مؤسسات الدولة كالخارجية والأوقاف لدعم الإعلان، استقالات من الدائرة القريبة من الرئيس ومن الجمعية التأسيسية، ثم بعد ذلك كله يخرج علينا مستشار الرئيس للشئون القانونية ليقول لا إلغاء للإعلان مهما كانت الظروف. هذا التصريح نفسه هو أبلغ دليل على انعدام أى خبرة سياسية فى مجال صنع القرار، فالقرار الذى لا يتغير مراعاة للظروف ستجبره هذه الظروف نفسها على التغيير.

 

 

 

هبط علينا الإعلان الدستورى من حيث لا نحتسب، تلاه علينا المتحدث باسم الرئيس لا الرئيس نفسه، بدا الشعب آخر من يعلم بنص الإعلان بينما خرجت جماعة الرئيس للتهليل المسبق له أمام دار القضاء العالى. لم تقدم لنا الديباجة أى تفسير ملموس بل مجرد عبارات فضفاضة تتحدث عن حماية أهداف الثورة والقضاء على النظام السابق وتطهير مؤسسات الدولة والتمهيد لوضع الدستور. بعد ذلك أشار خطاب الرئيس وتصريحات قيادات جماعته إلى أن الإعلان كان استباقا لحكم المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشورى والجمعية التأسيسية، وأنه قطع الطريق على «مؤامرة» استهدفت إعادة المجلس العسكرى للحكم، وهذا يستحق التعليق.

 

 

 

•••

 

 

 

أما استباق حكم حل الشورى والتأسيسية فهذا فى حد ذاته طعن فى دستورية الإعلان، لأنه يغلق قضايا مفتوحة أمام القضاء ويطبق قاعدتين مختلفتين على واقعتين متماثلتين، فالقانون الانتخابى الذى أفرز مجلس الشعب هو الذى أفرز مجلس الشورى، والخلل الذى حكم أول جمعية تأسيسية امتد إلى الثانية. أما مسألة المؤامرة لإعادة المجلس العسكرى للحكم فإن أحدا لم يقدم لنا دليلا واحدا عليها، بل إن من يرجع لخطاب الرئيس أمام أنصاره يجده يتحدث عن مجموعة فى حارة ضلمة حدد عددها بما يتراوح بين 3 أو 7 أشخاص، فهل هؤلاء السبعة يشملون النائب العام؟ إن كان هذا مفهوما ضمنيا فلماذا استقبله الرئيس قبل أسابيع ونفى نية إقالته وأكد احترامه استقلال القضاء؟ وهل هؤلاء السبعة هم كل من يهدد الثورة؟ إن لم يكونوا وحدهم فلماذا لم تشر كلمة واحدة فى الإعلان إلى تطهير الداخلية خاصة وأن أحد شباب 6 أبريل كان يرقد آنذاك بين الحياة والموت؟

 

 

 

التفسيرات إذن لا تقود إلى النتائج والقضية لم يتم تجهيز أدلتها، والأنكى أنه حتى لو صحت هذه التفسيرات وتوفرت تلك الأدلة فإن الرئيس لا يملك حق إصدار إعلان دستورى أصلا، ويمكن مراجعة حديث المستشار طارق البشرى للشروق فى 24 نوفمبر ففيه ما يكفى ويفيض. ومن بعد امتد الخلل فى تسبيب الإعلان إلى الخلل فى التشاور من حوله. فلأول مرة نسمع عن مشاورات تجرى بعد صدور القرارات، ناهيك عن أن تكون بهذه الخطورة والحساسية، وليس قبلها. أنكر عديد من المستشارين علمهم المسبق بالإعلان غير الدستورى «وهو وصف خاص بى»، وتحفظ وزير العدل على الإعلان وإن تفهم مقاصده كما أشارت وكالة رويترز مما يعنى أنه لم يشارك فيه. وهكذا لم يتبع الرئيس القاعدة الفقهية المُختَلف عليها أصلا التى تجعل الشورى عملية مُعلمة لا ملزمة، لأن الواضح لكل ذى عينيين أنه لم يشاور مستشاريه لا على مستوى العلم ولا طبعا على مستوى الالتزام بمشورتهم، ثم بعد ذلك يحدثونك عن جعل الرئاسة مؤسسة. فقط بعد انطلاق الرفض الشعبى للإعلان بدأت عملية التشاور، فاجتمع الرئيس مرتين اجتماعا مطولا مع مستشاريه، والتقى مع المجلس الأعلى للقضاء الذى التقاه وزير العدل من قبل. وأنهى إلينا المتحدث باسمه أنه تم الاتفاق على تحصين القرارات السيادية للرئيس دون سواها، وهو تفسير للماء بعد الجهد بالماء. وذلك أن هذا التحصين متحقق بالفعل فى قانونى مجلس الدولة والسلطة القضائية بالنص على أنه «لا يجوز لهذه المحاكم ــ أى محاكم مجلس الدولة والقضاء العادى ــ أن تتعرض لأعمال السيادة» ومؤدى هذا أنه لم تكن هناك حاجة أصلا للالتفاف على إطلاق سلطات الرئيس بالقول إنها تتعلق بمباشرة أعمال السيادة. أما تعريف أعمال السيادة فهو يتضمن قائمة على رأسها إعلان الحرب وتنظيم العلاقات الدبلوماسية وبعض المسائل الخاصة بالسلطة التشريعية كدعوة المواطنين للانتخابات.. وأظن أن ليس لمصر حاليا حاجة بتلك الأعمال.

 

 

 

نأتى بعد ذلك إلى مسألة الصياغة، وكم هو مذهل هذا الإطلاق الذى تشتمل عليه المادة الثانية من الإعلان التى تحصن كل ما صدر وما يصدر عن الرئيس من إعلانات دستورية وقوانين وقرارات لتحرم بذلك كل أحد من حق التقاضى الذى هو حق أصيل من حقوق الإنسان. مذهل هذا الإطلاق الذى تتضمنه المادة الخامسة التى تجعل من مجلس الشورى والجمعية التأسيسية هيئتين فوق دستوريتين يُحظر المساس بهما أو التعرض لهما. مذهل جدا هذا النص الغامض للمادة 6 التى تعطى رئيس الجمهورية الحق فى اتخاذ تدابير استثنائية إذا قام خطر يهدد ثورة 25 يناير أو حياة الأمة أو الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعطل مؤسسات الدولة. فبمقتضى نص هذه المادة يمكن لرئيس الجمهورية بكل سهولة أن يصدر ما شاء من القوانين لتجريم حق التظاهر أو الإضراب أو الاعتصام بل يمكنه إحياء أى من القوانين سيئة السمعة التى ارتبطت بعهد السادات مثل قوانين العيب والسلامة الوطنية وحماية الجبهة الداخلية. ثم يخرج علينا من يبرر ذلك بأسخف تبرير ممكن وهو أن الحقوق المطلقة لرئيس الجمهورية مرهونة بوضع الدستور وانتخاب مجلس شعب جديد. الديكتاتورية هى الديكتاتورية، ولو كنا نطيقها لصبرنا على مبارك.

 

 

 

•••

 

 

 

لن يكسب الإعلان غير الدستورى شرعية من الحشد المعبر عن اتجاه واحد وفصيل بذاته، فخارج هذا التيار يوجد كل التنوع الذى يعبر عن المجتمع المصرى الحقيقى. أنظر يا دكتور مرسى إلى من استمعوا لخطابك أمام قصر الاتحادية، تأمل كم امرأة بينهم، كم قبطى فيهم، كم ممثل لأى فصيل سياسى غير فصيلك، أعد شريط خطابك وتأمل كم مرة تحدثت فيها عن الآخرين، والمعارضين المخلصين والمعارضة القوية الحقيقية، والأسهم المتساوية فى الوطن بين أبنائه، أعد شريط خطابك وسوف تتبين الحقيقة التى تقول إن التأكيد لا يكون إلا على الظواهر المشكوك فيها فالشعب حاضر فى خطابك غائب جدا عن فكرك وسياساتك.

 

 

 

 

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات