عاشوراء ليست طبق حلوى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:14 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

عاشوراء ليست طبق حلوى

نشر فى : الخميس 30 ديسمبر 2010 - 10:05 ص | آخر تحديث : الخميس 30 ديسمبر 2010 - 10:05 ص

 عندما كنا صغاراً كنا ننتظر بشوق قدوم يوم العاشر من شهر محرم حتى نلتهم أطباق حلوى العاشوراء التى كانت تعدها أمهاتنا من القمح والحليب والنشاء، وترش على سطحها حبات السودانى المقشور، وفى ساعات اليسر بعض اللوز والزبيب. لم نفهم أبداً لماذا تحرمنا أمهاتنا من هذه الحلوى اللذيذة التى كنا نحبها كثيراً ولا تقدمها لنا إلا يوماً واحداً فى العام، بينما لا يكاد يخلو بيتنا من أطباق الأرز باللبن التى هى تنويع على حلوى العاشوراء. وعندما كبرنا أكثر كان إحياء مناسبة عاشوراء بالصوم قد أصبح تقليداً يزحف ببطء على بيوت المصريين، فسألنا: لماذا نصوم ولماذا نحلى بالعاشوراء؟ فرد علينا الكبار إن هذا هو اليوم الذى شُق فيه البحر للنبى موسى عليه السلام، فلما حلّ الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة ووجد أهلها يصومون قال «نحن أولى بموسى من اليهود»، فصام المسلمون الأوائل يومى التاسع والعاشر من محرم.


لم يخبرنا أحد أن أطباق العاشوراء، التى كان يسيل لها لعابنا، يعتبر الشيعة أكلها فى هذه المناسبة خطأ كبيراً. ففي العاشر من شهر محرم قُتِل الحسين بن على كرم الله وجهه على يد جيش يزيد بن معاوية فى كربلاء، وفٌصلت رأسه عن جسده وعلقها رجال يزيد على سن رمح وذهبوا بها، البعض قال إلى دمشق والبعض قال إلى القاهرة والبعض قال عادت من دمشق إلى كربلاء. وظل موطن رأس الحسين واحداً من أهم الأساطير. ومع أن الشيعة يعتبرون عاشوراء هى ذروة المصائب التى حلت بآل البيت، إلا أنهم يقولون إنه لولا عاشوراء ما كان هناك مستقبل للتشيع، فقد صارت عاشوراء بما سال فيها من دماء مناسبة واجبة التذكر والإحياء، تذكر ما تعرض له الإمام الحسين من ظلم فيها، وإحياء روح الثورة التى فجرتها.


في جو كهذا لا يعقل أن يتذوق الشيعة طعاماً محلى بسكر أو عسل، فالحلوى وزعها يزيد على أتباعه ابتهاجاً بهزيمة أتباع الحسين، فكيف يشارك الشيعة يزيداً فى احتفاليته؟ هم يحيون عاشوراء بلطم خدودهم وإسالة دمائهم، وتجديد ولائهم للحسين، وتمثيل بعض مقاطع من مشهد كربلاء. ترتدي طفلة صغيرة زياً أخضر يغطيها من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، تقيد يداها وتحفها بنات فى مثل عمرها. إنها تقوم بدور السيدة زينب ابنة الإمام الحسين وهن يقمن بدور السبايا اللائى أخذهن جيش يزيد. لا تقام أفراح وتتشح النساء بالسواد، ويشد مئات الألوف الرحال إلى العراق ويركضون إلى مرقد الحسين فى كربلاء. وبعد أربعين يوماً تحل أربعينية الحسين فتكون هذه هى المناسبة الأخيرة التى يحييها الشيعة.


ومع ذلك فقد أكلنا صغاراً أطباق العاشوراء ولم نعرف بتاتا أن عاشوراء هى المناسبة الأهم فى المذهبية الشيعية. ومن أين كان لنا أن نعرف؟ ليس في كتبنا الدراسية أى إشارة للشيعة، ليس لأنهم غير موجودين لكن لأننا نتجاهلهم. لا توجد فى أفلامنا ورواياتنا أدوار للشيعة حتى وإن كان يجرى الحديث عن آل البيت كما فى رواية يحيى حقى قنديل أم هاشم. ليس بين أصدقائنا شيعة أو لعلهم كانوا بيننا لكنهم لم يفصحوا عملاً بالنصيحة «اخفِ ذهبك وذهابك ومذهبك» .


●●●


فقط مع اندلاع الثورة الإيرانية ذاع صيت مدرسة التشيع فى إطار الإسلام، وبصعوبة شديدة أمكن للعوام أن يميزوا بين التشيع والشيوعية. أما الخواص فلم يعرف جميعهم بالضرورة أن التشيع نفسه مدرسة كبرى لها أصول و فروع. وما أن دخلت السياسة فى الأمر حتى صار الشيعة فرساً مع أن أكثرهم عرباً أقحاحاً ومع أن التشيع أسبق وجوداً من إيران الساسانية والخمينية، لكن لايهم فبعض أئمتنا لا يريدون أن يسمعوا. يلعنون الشيعة من فوق منابرهم يريدون أن يلعنوا فيهم حكام إيران، ويفتى أحدهم بخذلان المقاومة فى حرب 2006 لأنها شيعية، ويتجاوز حاكم عربى فكرة المقاومة السلبية لحزب الله بالدعوة لدخول لبنان وإسقاط الحزب، ويحذر آخر من الهلال الشيعى وما كنا نحسب أن للأهلة مذاهب فتتجدد فى حلوق الشيعة مرارة كربلاء بل تدوم.

بعد ذلك كله نستغرب لماذا يدافع بعض الشيعة العرب عن إيران مع أننا لم نقدم لهم شيئاً. لم نلحظ مثلاً كيف شارك لأول مرة رئيس وزراء دولة «سنية» كبرى هي تركيا في إحياء ذكرى عاشوراء قبل أيام واستمع إلى أحد الشيعة الأتراك يدعو إلى الحقوق التعليمية لأبناء مذهبه. لم نلحظ لأننا لا نريد أن نلحظ، ننتظر فى كل أزماتنا أن تشتغل قاعدة «دعه يعمل دعه يمر» التى لم تشتغل أصلاً فى منشأها الغربى، سنحنى رؤوسنا للعواصف ولا نتعلم منها أبداً.

حلت علينا قبل أيام ذكرى عاشوراء فأحييناها شيعة وسنة، كل منا على طريقته. في الجزائر تمتعوا بإجازة رسمية مدفوعة الأجر لا مثيل لها إلا فى العراق ولبنان. وفى أغوار الأردن أضيئت بعض مصابيح المساجد على استحياء، وفى بعض أنحاء المغرب اتخذت الصبايا ثياباً جديدة بينما تخلت النساء فى الجنوب الشرقى للمملكة بالتدريج عن تقليد لبس السواد. وفى السعودية مورست خلسة طقوس الاحتفال فى البيوت الشيعية وببعض العلانية في احتفالات البحرين وبالكثافة الممكنة فى العراق. هناك منا من أكل «الريشته» المصنوعة من الدجاج والعجين فى الجزائر، ومن أكل «القيمة» المصنوعة من الأرز واللحم والحمص فى العراق، ومن أكل العاشوراء فى مصر. هناك من صام إحياءً لسنة نبوية، وهناك من رفض الصيام لأن فى الإفطار فرحة لا تجوز. هناك من أحيا عاشوراء متجاهلاً كربلاء، وهناك من أحياها وليس فى ذهنه إلا كربلاء.


●●●


دعونا نغتنى بتنوعنا الدينى والمذهبى واللغوي، دعونا لا نفقد جنوباً (فى العراق) بعد جنوب (فى السودان)، دعونا نقاوم جاذبية فكرة أن المسلمين وحدهم يملكون الحقيقة وأن السنة يحتكرون الإسلام وأن السلفيين هم حماة التسنن، دعونا لا نقع تحت وهم أن جماعة منا هي «الناجية من النار». وعندما نؤمن بأننا لسنا محور العالم والدين، لن نأكل الحلوى فيما يقيم إخوة لنا مجالس عزاء، فإن هفونا إلى الحلوى ومذاقها اللذيذ فلنحكى إذن لأبنائنا قصة عاشوراء.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات