النظام العربى إلى أين؟ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:09 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

النظام العربى إلى أين؟

نشر فى : الخميس 1 مايو 2014 - 6:55 ص | آخر تحديث : الخميس 1 مايو 2014 - 6:55 ص

بالتعاون بين مركز دراسات الوحدة العربية فى بيروت ومعهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة عُقدت حلقة نقاشية يوم الخميس 24 أبريل الماضى بمقر المعهد تناولت مخطوطة التقرير الجديد لعام 2013/2014 والتى ينتظر صدورها عن المركز بحلول نهاية شهر مايو. شارك فى الحلقة النقاشية عدد من أبرز المتخصصين فى الشئون العربية أثاروا من القضايا ما يستحق تسليط الضوء عليه، كونه يتعلق بالتحولات التى يُعتقد أنها طاولت النظام العربى سواء على مستوى عقيدته أى أيديولوجيته أو على مستوى وحداته السياسية أى دوله.

تبنى التقرير تصورا مؤداه أن توابع ما اصطُلِح على تسميته بالربيع العربى أدت إلى تغير فى عقيدة النظام من كونها عقيدة تستهدف تحقيق الوحدة العربية إلى كونها عقيدة ترمى إلى مكافحة الإرهاب. ودلل التقرير على هذا التحول بجملة الإجراءات التى اتخذتها دول عربية مختلفة لوقاية نفسها من خطر الإرهاب وصولا إلى موافقة مجلس وزراء الداخلية العرب فى 12 مارس 2014 على إنشاء مكتب «للأمن الفكرى» بالرياض مع سلة من البنود الأخرى التى تشجب الإرهاب وترفض الخطاب الطائفى. فى مواجهة هذا الطرح برزت وجهة نظر أخرى لها وجاهتها ركزت على أمرين اثنين، الأول أنه ليس فى الميثاق المنشئ للجامعة العربية ولا فى مداولاتها ولا حتى اسمها ما يفيد بأنها كانت تستهدف تحقيق الوحدة العربية، بل كان واضحا من اللحظة الأولى أن أقصى ما تهدف إليه الجامعة هو تحقيق التنسيق أو التعاون أو التكامل بين الدول الأعضاء، وأن لحظة تأسيسها ارتبطت بالرغبة فى احتواء الحراك الشعبى الذى كان بحق ينشد الوحدة ويستهدفها. والثانى أنه أيضا ليس هناك فى وثائق الجامعة العربية ما يستفاد منه اهتماما خاصا بقضية الإرهاب، هذا فضلا عن أن مكافحة الإرهاب لا تمثل عقيدة أو أيديولوجية بحد ذاتها إنما هى آلية من الآليات التى تلجأ لها النظم العربية لحماية أمنها السياسى علما بأن مفهوم الأمن يتجاوز مفهوم الإرهاب الذى بات يختصر فى التطرف الدينى، لكنه فى الواقع يشمل هذا التطرف كما يشمل الهجرة غير الشرعية وتجارة السلاح والمخدرات... إلخ. صفوة القول التى ذهب إليها هذا الرأى هى أنه لا عقيدة النظام العربى تأسست على هدف الوحدة، ولا هى تحولت إلى مكافحة الإرهاب.

•••

واتصالا بقضية عقيدة النظام دار جدل آخر حول دور 30 يونيو 2013 فى وقف أسلمة تلك العقيدة، على أساس أن حركة الشعب والجيش المصرى فى التاريخ المذكور قد حالت دون تصاعد الصدام بين الشرعية الإسلامية التقليدية التى تأسست عليها النظم الملكية، والإسلام السياسى الحركى فى النظم الجمهورية التى وصل فيها الإخوان للسلطة. ومثل هذا الطرح افترض أولا أن المشروع السياسى للإخوان هو بالضرورة مشروع للتغيير فى حين رأينا أن أول ما بدأ به الإخوان سواء على الصعيد الداخلى أو فيما يتعلق بعلاقات مصر الخارجية وموقفها من الصراع العربى ــ الإسرائيلى هو التأكيد على الثبات والاستقرار. والطرح السابق افترض أيضا أن أول علاقة للإخوان بالحكم بدأت فى ظل الربيع العربى وهذا غير دقيق على ضوء تجارب الإخوان فى اليمن والسودان وغزة، وهى تجارب تراوحت ما بين الشراكة فى الحكم أو التأثير فيه أو الاستئثار به وإقصاء التيارات السياسية الأخرى. ومن النقطتين السابقتين يكون السؤال الأهم: بفرض أن الإخوان كان قد استتب لهم الأمر فى ظل الربيع العربى فى عدد من الدول العربية بما فيها أكبر هذه الدول (مصر) فإلى أى مدى كان يمكن أن يؤثر ذلك فى باقى وحدات النظام العربى التى لم تهب عليها رياح التغيير وعددها هو الأكبر (17 دولة)؟ يكتسب هذا السؤال مشروعيته على ضوء الخبرة التاريخية التى تفيد أن مصر فى خمسينيات القرن الماضى وستينياته وكانت تملك من أدوات التأثير المادى والالتفاف الجماهيرى العربى ووجود القيادة الكاريزمية ما يتجاوز بكثير ما توفر لمصر بعد 30 يونيو، لم تتمكن من إحداث تغيير سياسى فى مختلف وحدات النظام العربى، بل إن هزيمة 1967 هى التى ألجأت مصر إلى التكيف مع واقع هذا النظام، وهكذا سقطت نظرية الدومينو.

•••

فى هذا السياق أثار البعض النقطة المتعلقة بتكسُر كل نبوءات المحللين السياسيين عن قرب تشكل نظام عربى جديد مع كل لحظة من اللحظات المفصلية الفارقة فى تطور هذا النظام، كما حدث مثلا فى أعقاب اجتياح العراق للكويت عام 1990 أو مع العدوان الأمريكى على العراق عام 2003، لكن الذى حدث هو أن النظام العربى قد أعاد توفيق أوضاعه وترتيب أوراقه وكذلك فعلت مؤسسته الرسمية، واستمر الحال على ما هو عليه. من هنا فإن حتى بعض ملامح التغير التى تحدث عنها التقرير من المهم التعامل معها بكثير من الحذر كما فى إشارته إلى تعثر عمليات اندماج القوى الرسمية يقابله ازدهار اندماج القوى غير الرسمية وتحديدا ما وصفه بالجماعات التكفيرية ــ الإرهابية. فمن ناحية فإن الحدود بين ما هو رسمى وما هو غير رسمى حدود شديدة السيولة أخذا فى الاعتبار أن كثيرا من جماعات التطرف هى أدوات بأيدى نظم رسمية. ومن ناحية أخرى فإن تبعثر قوى حركات التطرف لا يقل عن تبعثر النظم السياسية، فمن جبهة النصرة إلى داعش إلى عشرات التنظيمات التى تلتف حول حفنة من المصالح وثلة من الأشخاص من كل حدب وصوب، وما يصدق على سوريا يسرى على العراق ومؤخرا على مصر التى تتردد فيها أسماء ثلاثة تنظيمات قاعدية وما خفى كان أعظم. كذلك فإنه ما زال من المبكر الحديث عن آفاق الدور المصرى فى حماية أمن الخليج رغم المؤشرات التى تم الاستدلال بها كالمناورات المشتركة وتكوين قوات مصرية محمولة جوا للتدخل السريع داخل الحدود وخارجها، ومن الصعب الجزم بأن هذا التطور ينبئ فعلا عن «توجه استراتيجى» أم أنه رد فعل على توتر العلاقات داخل البيت الخليجى ومع إيران فما زالت تجربة إعلان دمشق والمآل الذى انتهت إليه حاضرة فى الأذهان.

على مدار أربع ساعات مثل تقرير حال الأمة مناسبة لعصف ذهنى تجاوز حدود المشاكل الداخلية التى تغرق فيها وحدات النظام العربى حتى أذنيها إلى مستقبل هذا النظام العربى ذاته فى عقيدته وتفاعلاته واحتمالات تطوره. هذه المساحة من النقاش من المهم أن ننتقل

إليها ونهتم بها حتى لا تأخذنا تفاصيل الأشجار عن مشهد الغابة ككل، فتحية إلى مركز دراسات الوحدة العربية الذى أتاح لنا فرصة هذا النقاش الثرى وتحول بتقرير حال الأمة من مجرد رصد سنوى للأحداث إلى حالة دورية للمراجعة ونقد الذات، لعل هناك يوما من يسمع ويستجيب.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات