سؤال ما بعد الانتخابات العربية القوى المدنية فى الحكومة أم فى المعارضة ؟ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:09 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

سؤال ما بعد الانتخابات العربية القوى المدنية فى الحكومة أم فى المعارضة ؟

نشر فى : الخميس 8 ديسمبر 2011 - 9:10 ص | آخر تحديث : الخميس 8 ديسمبر 2011 - 9:10 ص

شهدت الانتخابات العربية فى كل من تونس والمغرب ومصر على التوالى صعودا ملحوظا لقوى الإسلام السياسى. ففى تونس حصدت حركة النهضة 41% من إجمالى الأصوات، وفى المغرب تصدر حزب العدالة والتنمية قائمة الأحزاب المتنافسة بواقع 28 % من مجموع الأصوات، وفى مصر فاز حزب الحرية والعدالة وحزب النور مجتمعين بنحو 60% من أصوات الناخبين فى الجولة الأولى من انتخابات مجلس الشعب التى شملت 168 مقعدا. ومن المنتظر ألا تشذ نتائج الانتخابات الوشيكة فى ليبيا لأعضاء المؤتمر الوطنى عن المسار السابق خصوصا على ضوء الدور الذى لعبه الإسلاميون فى فتح طرابلس.

 

 

●●●

 

بطبيعة الحال توجد اختلافات بين بيئة الانتخابات السابقة من قطر عربى إلى آخر، ففى المغرب تجرى الانتخابات فى ظل النظام الملكى القائم بينما أنه فى كل من تونس ومصر ولاحقا فى ليبيا تأتى هذه الانتخابات بعد إطاحة النظم الحاكمة بواسطة ثورات شعبية. كما توجد اختلافات أيضا تتعلق بمضمون الانتخابات ما بين انتخابات برلمانية فى المغرب ومصر وليبيا وانتخابات المجلس التأسيسى المكلف بصياغة الدستور فى تونس. لكن مع الوعى باختلاف البيئة الانتخابية وبطبيعة المؤسسات المنبثقة عنها إلا أن السؤال المطروح على هذه الأقطار الأربعة وربما على أخرى غيرها فى المستقبل، هو التالى: كيف تنظر القوى المدنية إلى دورها فى ظل الخريطة السياسية الآخذة فى التشكل : شريك فى الحكم أم قطب للمعارضة؟

 

 

يكتسب السؤال السابق مشروعيته على ضوء ما لوحظ من مبادرة بعض القوى المدنية إلى إعلان رفضها المشاركة فى الحكومات التى شكلتها أو ستشكلها الأغلبية البرلمانية التى هى القوى الإسلامية. ففى ليبيا انزوى د. محمود جبريل رئيس الحكومة الانتقالية السابقة بعد أن تصدر المشهد السياسى طيلة الشهور الأولى من عمر الثورة. وفى تونس أعلن أحمد نجيب الشابى زعيم الحزب الديمقراطى التقدمى رفضه الدخول فى ائتلاف حكومى مع حركة النهضة. وفى المغرب يوجد اتجاه قوى داخل حزب الاتحاد الاشتراكى للقوات الشعبية،  الذى حل فى المرتبة الثالثة فى الانتخابات التشريعية الأخيرة بعد حزبى العدالة والتنمية والاستقلال  وحصل على 39 مقعدا برلمانيا، أقول يوجد اتجاه قوى داخله يدعو لعدم المشاركة فى الحكومة التى سيشكلها عبدالإله بنكيران زعيم حزب العدالة والتنمية.

 

 أما فى مصر فإن الوقت مبكر نسبيا للسؤال عن موقع القوى المدنية من حكومة يقودها إسلاميون لكون الإعلان الدستورى أعطى المجلس الأعلى للقوات المسلحة (الذى يمارس مهام رئيس الدولة) الحق فى تشكيل الحكومة لحين وضع الدستور وإقراره. ومع ذلك فإن من المتوقع أن القوى الإسلامية التى ظلت تحذرنا من الالتفاف على الإرادة الشعبية التى جسدها استفتاء مارس لن تتورع عن تحذيرنا من الالتفاف على الإرادة الشعبية المنبثقة عن انتخابات نوفمبر ــ مارس. ولله فى خلقه شئون.

 

 

عموما فإن الرافضين لمشاركة الإسلاميين فى الحكومات المنتخبة يستندون إلى أنهم يريدون وضع هذا التيار أمام مسئولياته وإرسال رسالة إلى المنتمين إليه هذا نصها: أظهرتم حرصا شديدا على الحكم فها هو الآن بين أيديكم وأرونا ماذا أنتم به فاعلون. ويزيد هؤلاء فيقولون إن دخولهم الحكومة سيضفى عليها عمقا سياسيا، بينما أن مشاركتهم فيها على الأغلب ستكون مشاركة شكلية سواء لجهة طبيعة الحقائب الوزارية التى سيحصلون عليها أو لجهة عدد أعضائهم فى الوزارة. هذا إلى أن حكومة تتشكل من ائتلاف إسلامى / مدنى لن تصمد طويلا أمام الأزمات الكثيرة التى ينتظر أن تواجهها. ولعل واحدة من هذه الأزمات يواجهها الائتلاف التونسى الحاكم حاليا على خلفية قيام عميد كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة بمنع طالبة منتقبة من أداء الامتحان، إذ سرعان ما تطور الأمر إلى اقتحام إسلاميين مكتب عميد الكلية فيما أضرب الطلاب فى جامعات تونسية أخرى تضامنا مع العميد فى موقفه. ومثل هذا الحدث المعرض للتكرار بأشكال مختلفة سوف يطرح سؤالا محرجا على ائتلاف حركة النهضة مع حزبى المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل الديمقراطية والعمل، وهو السؤال التالى : هل تنتصر الحكومة لموقف الطالبة ومن والاها باسم الحرية الشخصية والمبررات الشرعية أم تدعم موقف عميد الكلية من منطلق ضبط العملية التعليمية من جهة  والحفاظ على موروث العلمانية البورقيبية من جهة أخرى؟ إن لكل خيار من الخيارين تبعاته ودلالاته هذا مع العلم بأن تونس هى الدولة التى نتطلع إليها كنموذج محتمل لشراكة إسلامية/مدنية ناجحة.

 

 

●●●

 

فى التعقيب على منطق القوى المدنية الرافضة للائتلاف الحكومى مع قوى إسلامية أسجل بداية نقطة نظام هى أن الرهان على فشل الإسلاميين فى إدارة الدولة بهدف إحراجهم هو فى الواقع رهان خاطئ لأن معناه أنه لا مانع من أن يعيش الوطن والمواطنون فترات صعبة طالما أن ذلك سيؤدى إلى توريط الإسلاميين وإثبات أنهم لا يملكون إلا الشعارات. كذلك فإن تعمق حالة الاستقطاب الدينى – المدنى قد يجعل الوطن يدخل فى سلسلة متتالية من الأزمات الحادة. ومثل هذا الاحتمال يطرح نفسه بقوة على الواقع الليبى خاصة مع الانتشار الواسع للسلاح إلى حد أن مدينة مثل طرابلس يسكنها 1.5  مليون نسمة يوجد بها 145 مجلس عسكرى لكل منها مليشياته وسلاحه ومصالحه. وفى وضع هذا شأنه ماذا يمكن أن تفعل الأيديولوجية بليبيا خصوصا مع الحضور القوى للعصبية القبلية؟

 

 

لكن فى الوقت نفسه، فإن هذا المقال ليس دعوة لمشاركة غير مشروطة للقوى المدنية فى ائتلافات حكومية يقودها إسلاميون. إذ يمكن القول إن هناك ثلاثة شروط أساسية أتصور أنها ضرورية قبل اتخاذ القرار بالمشاركة. الشرط الأول هو أن تبدى القوى الإسلامية استعدادا حقيقيا لدمج القوى المدنية فى العملية السياسية ولا تكتفى بتزيين حكوماتها ببعض تلك القوى التى قد لا تمثل بالضرورة الجهات التى تنتمى إليها، وهناك العديد من النماذج فى الحالة المصرية يتم فيها ضم رموز قبطية لأحزاب إسلامية فقط لنفى الأساس الدينى عن تلك الأحزاب. ويتكامل مع جدية تمثيل القوى المدنية وجوب تكليفها بمسئوليات فعلية داخل الحكومة. الشرط الثانى هو أن تعلن القوى الإسلامية عن برنامجها التفصيلى لإدارة الدولة وعن سياستها تجاه قضايا الحريات العامة والمرأة والمواطنة والاقتصاد والفن... إلخ.

 

 فلكم كان مدهشا أن يصرح مصدر سلفى إن السلفيين لا ينوون المساس بشعرة واحدة من مسيحيي مصر، كان مدهشا لأنه يعنى أن أبجديات المواطنة غائبة عن المتحدث ولأنه لا يعرف أن الأغلبية البرلمانية لا تملك حق اضطهاد أحد ولا ينتظر أحد منها الحماية، ولهذا أقول إن الحديث المجرد عن أن تطبيق الشريعة يكفل حقوق المسيحيين يحتاج إلى ترجمته لسياسات. أما الشرط الثالث والأخير فهو تماسك القوى المدنية ورأب خلافاتها لأنه لا يمكن تصور أن تحظى بتمثيل جاد وفعال فى الحكومات المنتخبة وهى تتصارع فيما بينها أو تتهافت على كسب رضا التيار الدينى، وهو لعلمها لن يرضى.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات