لمن الوصاية على الأمة؟ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:02 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

لمن الوصاية على الأمة؟

نشر فى : الخميس 15 نوفمبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 15 نوفمبر 2012 - 8:00 ص

فيما عدا جزء من عنوان بالصفحة الأولى فى جريدة المصرى اليوم بتاريخ 10/11، لم أقرأ أى إشارة أخرى لتلك الجملة الخطيرة التى وردت فى خطبة الشيخ حازم أبو اسماعيل فى « جمعة تطبيق الشريعة «. تقول الجملة « الثورة ليست وصية على الأمة»،  وقد وردت فى تغطية صحفية مقتضبة لخطبة الشيخ ضمن خطب أخرى شملتها الجمعة الماضية. بحثت عن الفيديو المسجل لخطبة أبو اسماعيل،  ووجدته على قناة صدى البلد على يوتيوب، واستمعت منه إلى 16 دقيقة حتى وصلت إلى ضالتى. جزء من أهمية هذه الجملة ينبع من شخص قائلها،  فهو سياسى مخضرم ومرشح رئاسى سابق، وهو خطيب مفوه له أنصار كثيرون وحركة تحمل اسمه وتنتسب إليه. أكثر من ذلك عرفنا مؤخرا أن أفكار أبو اسماعيل سرت إلى بعض شباب سوريا فاقتنعوا بها، كما أن بعضاَ من « الحازمون» شدوا الرحال إلى بلاد الشام لقتال نظام بشار الأسد،  ومؤدى هذا أنه أصبح للشيخ دورا إقليميا وإن يكن فى بداياته الأولى.

 

●●●

لكن الجزء الأخطر من الجملة المذكورة ينبع من مضمونها،  فقد قالها الشيخ حازم فى معرض نقده لاقتصار شعارات الثورة على الثلاثية المعروفة: عيش – حرية – عدالة اجتماعية. وفى هذا السياق ذكر أبو اسماعيل أنه وجه سؤالا « لواحد منهم» وهو يقصد بذلك على الأرجح واحدا من شباب الثورة فسكت الشاب ولم يحر جوابا،  أما السؤال فهو: هل معنى الهتاف بهذه الثلاثية أن الثورة لا تريد مثلا تحقيق الأمن فى البلد ولا تقصد تطوير التعليم أو مد المرافق أو الرواج الاقتصادى للبلد؟. ثم أضاف حازم إنهم يريدون فى ساعة من النهار أن يكون هذا الهتاف مقيدا للأمة،  وخلص إلى القول « حتى الثورة،  لا يجوز للثورة أن تكون وصاية (هكذا قالها) على الأمة،  الثورة قيمتها أن ترعى الأمة «. بهذا التحليل نصبح أمام معضلة حقيقية لأنه منذ اندلاع الثورة وجميع القرارات والسياسات تزعم أنها تنبع من الثورة ومنها تستمد شرعيتها. وهكذا كان الجلوس على طاولة التفاوض مع نائب الرئيس عُمر سليمان إنقاذا للثورة،  وكان أيضا إصدار قانون العزل السياسى لحرمان سليمان من المنافسة الانتخابية إنقاذا للثورة. كان التفاهم بين المجلس العسكرى والإخوان ضروريا لتأمين الثورة، وكانت تنحية طنطاوى وعنان استجابة لمطالب الثورة،  ثم أصبح تكريمهما وضمهما إلى قائمة مستشارى الرئيس اعترافا بدورهما فى حماية الثورة. كان اختيار عصام شرف من قلب التحرير اختيارا للثورة،  وكان عزله كأحد رجال مبارك اختيارا آخر للثورة. وأخيرا فإن رفع حالة الطوارئ قبل شهور هو يقينا أحد أهداف الثورة،  لكن اقتراح قانون جديد للطوارئ يهدف بدوره لقطع الطريق على أعداء الثورة. الكل يتمسح فى الثورة،  والكل يبرر الانتساب إليها بفعل الشئ ونقيضه فى الوقت نفسه، وبالتالى فعندما يأتى أبو اسماعيل ليخبرنا أن الثورة ليست وصية على الأمة فإنه بذلك يفتح بابا واسعا لكل من تسول له نفسه تحدى شرعية أى ٍمن السياسات والقرارات التى تم تبريرها وتمريرها باسم الثورة،  هذا من ناحية.

 

ومن ناحية أخرى،  تبدو الثورة فى حديث أبو اسماعيل كما لو أنها فعل مبنى للمجهول،  أو فى القليل عمل قام به أناس ليسوا من هذه الأمة ولا ينتمون إليها، ولعل هذا يمثل تنويعا مبتكرا على نظرية المؤامرة ودور الخارج فى إطلاق الثورات العربية. إن لم تكن الملايين التى خرجت ورابطت وقدمت الشهداء فى مختلف أنحاء الجمهورية تجسد إرادة الأمة المصرية فى أرقى صورها فعن أى تجسيد نبحث إذن؟. لم تكن ساعة نهار يا شيخ حازم تلك التى هتف فيها الثوار بالثلاثية الشهيرة،  لكنها كانت كل ساعات النهار وكل ساعات الليل وبطول أيام الثورة وبمشاركة الكل بما فى ذلك بعض فصائل من التيارات الدينية نفسها. لكن يبدو أنه بعد أن جرى تهميش الثوار فى عملية صنع القرار وتشكيل الجمعية التأسيسية،  وبعد أن سُحِلوا وعُرت نساؤهم ولم ينتصر لهن المشاركون فى جمعة تطبيق الشريعة،  بعد أن قُتل منهم من قتل أمام ماسبيرو وفى محمد محمود،  وبعد أن انقلبت معارضتهم إلى كفر واختلافهم إلى إلحاد،  بعد كل ذلك ها قد حان الوقت لنزع الشرعية عن فعلهم الثورى بفتوى أو دعوى تفيد أن الثورة ليست وصية على الأمة.

 

●●●

هل إضافة مطلب الشريعة إلى ثلاثية الثورة يرفع عنها تهمة الوصاية على الأمة؟ يحدث هذا فقط فى حالة واحدة هى افتراض التضاد بين العيش والحرية والعدالة الاجتماعية من جهة وبين الشريعة الإسلامية من جهة أخرى. أو افتراض أن حرية الصحافة فى الدستور سوف تسمح والعياذ بالله كما قال حازم بأن تشكك مانشيتات الصحف فى أن القرآن كتاب الله،  أو فى أن الدين عند الله الإسلام،  أو فى أنه لا إله إلا الله. وعدا ذلك فلا تضاد،  ومعركة تطبيق الشريعة هى هروب من معركة تحقيق العدالة الاجتماعية.

 

 

لقد حملت جمعة تطبيق الشريعة من مظاهر إرباك الموقف السياسى وخلط الأوراق الشئ الكثير. فوجدنا مستشار وزير الأوقاف الدكتور محمد الصغير ينغمس بنفسه فى الصراع السياسى الجارى ويشارك فى خطبة الجمعة بميدان التحرير واصفا العلمانيين والليبراليين بأنهم « تجار شنطة يحملون البضائع التى توضع لهم من الغرب والشرق،  وينفذون الخطط والأوامر المرسلة إليهم عبر الإيميلات»،  وهذا يتناقض بوضوح مع مقتضيات عمله، وفيه اتهام جزافى لكل من يقصدهم بالتبعية للخارج وتقاضى الأموال،  ويجافى عفة اللسان التى نقدرها فى علماء الدين. ووجدنا الإخوان يَدّعون مقاطعة جمعة التحرير ثم يشاركون فى وقفات لتطبيق الشريعة بمحافظات مختلفة،  بل ويرصد البعض مشاركة عناصر من الإخوان والنور فى فعاليات التحرير،  والحق أن المرء ليعجب كيف يحشد من يصنعون الدستور جموع الناس تحسبا منه. ووجدنا الشيخ محمد الظواهرى يرفض الاستفتاء على الدستور لأن إجراءه يعنى أن السيادة للشعب وهو أمر منكور فى رأيه،  وهنا يكون من حقنا أن نسأل لماذا أقَرت نتيجة التعديلات الدستورية الكارثية باستفتاء الشعب ولماذا وقع اختيار مجلس الشعب ورئيس الجمهورية بانتخابات صوت فيها الشعب،  أم هم يؤمنون ببعض الديمقراطية ويكفرون بالبعض الآخر؟.رفرفرت أعلام القاعدة على ميدان التحرير،  واعتُمدت تسمية جمعة قندهار من الشيخ حازم لتزيد ضبابية الموقف،  أما أخطر أنواع الخلط فهو الإيهام بأن الشعب الذى صنع الثورة ليس هو الشعب الذى يدعو لتطبيق الشريعة وأن الصدام بين الشعبين قادم لا محالة،  وهذا بالضبط هو مفهوم الوصاية على الشعب لأنه يطرح قراءة خاصة للمشهد كأنها وحدها المعتمدة فيتعالى الهتاف « بالروح بالدم نفديك يا إسلام»،  يفدونه ممن؟ وبأى دم يفتدونه؟ علم هذا عند ربى.

 

 

 

 أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات