الحياة داخل بارك - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:23 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الحياة داخل بارك

نشر فى : الإثنين 18 مارس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 18 مارس 2013 - 8:00 ص

ربما كان التكرار الممل لذلك الإعلان الذى يتخلل البرنامج الشهير جداً بإحدى الفضائيات المصرية هو الذى شجعنى على الكتابة فى الموضوع، مع أن الظاهرة التى يتناولها الإعلان كانت تفرض نفسها على تفكيرى قبل ذلك بزمان. عنوان الإعلان هو « عيش جوا البارك»، وتحت هذا الشعار يبيع لنا المعلنون فكرة سهولة الحياة داخل المنتجع المذكور إلى الحد الذى لا تحتاج معه أن تقلق على أولادك فالطرق آمنة، ولا أن تبحث عن الترويح فالخضرة فى كل مكان، بل إنك حتى لا تضطر إلى التجديف فى مياه غير مهيأة فماء البحيرة الرقراق يرحب بك فوق صفحته. تبسمت رغماً عنى وأنا أجد أن هناك وسط كل هذه الأهوال التى يمر بها الوطن من يهتم بالتيسير على هواة رياضة التجديف وإشباع هوايتهم. سألت نفسى : أنىّ لمصر بمجاديف مخلصة تصارع بها النوّة تلو الأخرى؟

 

•••

 

زحفت ظاهرة المنتجعات على العاصمة فى ثبات ودأب منذ عدة سنوات، ينشأ المنتجع ليكون بمثابة جيتو مغلق على ساكنيه، يحرسه أمن مهمته التحقق من هويات الغرباء الذين ينفذون إلى الداخل زيارة أو تطفلاً أو بغرض التسوق. فى داخل الجيتو توجد مدرسة وفى أحيان قليلة جامعة، يوجد ناد رياضى وسوبر ماركت وكافتيريات وربما دار سينما وملاهى للأطفال، وفى بعض هذه الجيتوهات توجد مستشفيات. لا يضطر سكان الجيتو أو البارك إلى مغادرته إلا للضرورة، وكلما زاد اضطراب أحوال البلد وانتشر قطاع الطرق وعم العنف انكفأ السكان أكثر فأكثر على أنفسهم وتشجعوا على إقامة ساتر نفسى وليس فقط ساتر خرسانى بينهم وبين مجتمع المدينة التى لم تعد فاضلة. بعيداً عن ترف التفكير فى التجديف أصبح البارك يؤدى وظيفة حقيقية ومطلوبة، وظيفة تأمين سكانه بعد أن عجزت الدولة عن أن تفعل. ومع انتشار هذه الفكرة، تغير المقصد الرئيس لأبناء الطبقتين الوسطى والعليا من الفرار من زحام القاهرة إلى الاحتماء من أخطارها، وهكذا تتكون بؤرة تلو الأخرى للتجمع والزحام خارج مناطق التركز السكانى التقليدية.

 

•••

 

ظاهرة التجمعات المحصنة أو المسورة تطوير لظاهرة المدن القديمة التى كان الحكام يبنون حولها أسواراً تقيها غزوات المغيرين والطامعين، يتخذ فى القلب منها الحكام لأنفسهم قلاعاً أكثر حصانة ومتانة واستعلاء على عباد الله أيضاً. ولعل من أمتع الأعمال التاريخية / الأدبية التى تتناول هذه الظاهرة، مقال للمؤرخ الكبير الدكتور قاسم عبده قاسم كتبه فى مجلة الدوحة قبل أقل من عام تحت عنوان « أسوار المدن القديمة: الحماية للسلطان والموت للرعية». فى هذا المقال طاف بنا قاسم فى عالم المدن القديمة شرقاً وغرباً، وسمح لنا بأن ننفذ من خلاله إلى ما وراء أسوار تلك المدن. من القاهرة التى أسسها جوهر الصقلى بعدما انتزع الفاطميون حكم مصر من العباسيين وتحصنوا داخل سورها من المحيط السنى الحانق عليهم، إلى إنطاكية جنوب تركيا التى صمدت أسوارها أمام زحف الصليبين قبل أن يتواطأوا مع أحد الأرمن المسئولين عن أبراج المدينة فإذا بحصونها تنهار ويبسط بوهيموند القائد النورماندى سيطرته عليها، إلى القسطنطينية التى استعصت بحصونها على الفتح الإسلامى حتى دخلها العثمانيون فى منتصف القرن الخامس عشر الميلادى . هذه النماذج وأخرى غيرها لمدن يونانية كأثينا وإسبرطة، أو عربية كالنجف الأشرف والقدس، كانت تقف شاهداً على تكتيك عسكرى يعتمد على الأسوار العالية المحصنة فى توفير الحماية قبل أن يحدث التطور الهائل فى التكنولوجيا الحربية ولا تعود الأسلحة الذكية تبقى على حصانة سور مهما علا.

 

•••

 

فى المدن القديمة أسوار وفى المنتجعات المبنية على أحدث طراز أيضاً أسوار، لكن أسوار المدن القديمة كانت ترتفع فى وجه المعتدين أما أسوار المنتجعات فتقوم فى وجه الغرباء من أبناء الوطن نفسه، وفى الحالتين تغلق الأسوار ليلاً ولا تفتح إلا مع شروق الشمس. مع زحف هذه المنتجعات تتحول القاهرة إلى قطعة من الجبن الهولندى الملئ بالثقوب، وتتقطع أواصر التواصل بين أبناء المدينة الواحدة. وتضاف هذه الظاهرة إلى ظاهرة العشوائيات التى تضع بدورها ساكنيها داخل جيتوهات قسرية لا اختيارية كما فى حالة المنتجعات، لتزيد من تفكيك النسيج الاجتماعى المصرى مع أننا فى الأصل شعب قليل التنوع الاجتماعى. لا يغيب عنى قط نموذج المجتمع اللبنانى شديد التعقيد، فكل حى طائفة، وكل مهنة مذهب، وكل اسم اتجاه سياسى، ومع ذلك ورغم أن التقسيم الجغرافى حقيقة واقعة إلا أن لبنان مجتمع بلا منتجعات.

 

•••

 

عاد الفاصل الإعلانى مجدداً وأطل علينا للمرة الكم لست أدرى الإعلان إياه يغرينا بالعيش داخل المنتجع، وعندما ينتهى فسوف تواصل الكاميرا تنقلها من كورنيش جاردن سيتى، إلى بورسعيد، إلى المحلة، إلى المنصورة تبث لنا مشاهد المصادمات الدامية بين ثوار وشرطة ومجهولين على الهواء مباشرة، وهذا فى حد ذاته ترويج غير مدفوع الأجر لفكرة التقوقع داخل بارك مع أنه فى أعقاب كل صدام يرتفع سور جديد يفصل بين الرئيس وجماعته ومؤسساته وبين الشعب.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات