التنوع فى إطار الوحدة.. معضلة الثورات العربية - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:26 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

التنوع فى إطار الوحدة.. معضلة الثورات العربية

نشر فى : الخميس 23 فبراير 2012 - 8:30 ص | آخر تحديث : الخميس 23 فبراير 2012 - 8:30 ص

فى التاسع عشر من هذا الشهر جرت احتفالية كبيرة فى إقليم كردستان العراق للاحتفال بمرور ستة وستين عاما على تجربة جمهورية مهاباد الكردية. الجمهورية المذكورة أقامتها القوات السوفييتية على الأراضى الإيرانية بعد أن اجتاحتها فى عام 1946 فى إطار الصراع مع الولايات المتحدة. لم يدم عمر الجمهورية المذكورة غير أحد عشر شهرا ثم انسحبت القوات السوفييتية وقامت الحكومة الإيرانية على أثر ذلك بإسقاط الجمهورية وإعدام رئيسها قاضى محمد فى ميدان عام. لكن التجربة لم تفقد زخمها قط ولا ضعفت قدرتها على إلهام المخيلة الكردية بحلم تجميع مختلف أكراد العالم فى كيان واحد. وهكذا فإن بارزانى فى افتتاح الاحتفال بإحياء ذكرى جمهورية مهاباد، وفى حضور ممثلين للمجلس الوطنى الكردى السورى والحزب الديمقراطى الكردستانى الإيرانى وحزب السلام والديمقراطية الكردى بتركيا، فى حضور كل هؤلاء تكلم بارزانى قائلا إن الوقت قد حان «كى نحصل على حقوقنا المشروعة»، وأضاف «لا أقول إننا نطالب الآخرين بأن يعطونا تلك الحقوق بل يجب عليهم أن يقروها لنا». ومن جانبه دعا صلاح الدين ديمرطاش رئيس حزب السلام والديمقراطية الكردى إلى ضرورة عقد مؤتمر قومى موحد بإقليم كردستان من أجل توحيد الخطاب الكردى.


فى الظاهر يبدو أنه ما من جديد تحت الشمس، فمن الصعب حساب عدد المرات التى تحدث فيها مسعود بارزانى عن حلم الدولة الكردية الذى يراوده وعن حجم المصاعب والمحاذير الدولية والإقليمية التى تكتنف تحقيقه. ومع ذلك فإن الكلمة الافتتاحية لرئيس إقليم كردستان تأتى فى سياق إقليمى آخذ فى التغير، ولعل أحد دلائل هذا التغير يتمثل فى نشوء المجلس الوطنى الكردى السورى بعد فترة من الزمن توزعت فيها القوى الكردية السورية بين الفصيلين الأبرز للثوار وهما: المجلس الوطنى الانتقالى وهيئة التنسيق. فعندما يتبلور هذا الكيان الكردى الثورى السورى المستقل فإنه يريد أن يؤكد على التوأمة بين المطالب الوطنية متمثلة فى إسقاط نظام بشار الأسد من جهة وبين المطالب القومية للجماعة الكردية فى سوريا من جهة أخرى. أما المدى الذى يمكن أن تذهب إليه الطموحات القومية لأكراد سوريا فإنه محكوم بتوازنات القوى الجديدة التى سوف تنبثق عن الثورة السورية.

 

•••

 

القضية الكردية ليست هى الوحيدة التى تضع التكامل الإقليمى لدولة عربية أو أكثر على المحك، فاشتعال قضية غرب السودان يدق ناقوس خطر جديد لدولة لم يكد يمضى عام على اقتطاع جنوبها. ولا تقل عن ذلك خطورة التحديات التى تطرحها القضيتان الجنوبية والحوثية على يمن ما بعد على عبدالله صالح. يتحدث الجنوبيون فى اليمن بمرارة عن تجربة الوحدة التى بدأت فى عام 1990 وكيف أثرت على تفكيك جيشهم، وأفقدتهم تمايزهم المتمثل فى التجربة الحزبية والأفكار الاشتراكية وانتشار التعليم. وحكى صديق يمنى كيف أحكم الإسلاميون من حزب التجمع اليمنى للإصلاح فى الشمال قبضتهم على الجنوب بعد الوحدة فأغلقوا دور السينما، وألغوا مقررات التربية الفنية وحصص الموسيقى، وسيطروا على منابر المساجد. ولأن المرأة هى مرآة المجتمع صارت نساء الجنوب أكثر محافظة من نساء الشمال. والآن فإن الجنوبيين وهم فى مرحلة إعادة تشكيل الدولة والنظام السياسى لم يعد كثير منهم يطرحون استمرار الوحدة كخيار المستقبل، لكنهم يطرحون الشكل الفيدرالى للدولة ويجعلونه الحد الأقصى الذى لا يمكن القبول بأكثر منه. وبدورها فإن محافظة صعدة موقع الحوثيين فى شمال اليمن تنذر بتطور الوضع إلى ما يشبه كردستان العراق، بمعنى أن يكون هناك إقليم لا يخضع فعليا لسلطة الدولة لكنه نظريا يبقى داخل حدودها، فللحوثيين ميلشياتهم التى تنافس الشرطة الوطنية، ورجالهم المنتشرون فى الإدارة المحلية، وخطابهم الدينى الخاص بهم، ومشروعهم السياسى المضمر الذى يستلهم تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

فى ليبيا اتخذ تنازع الهويات شكلا آخر بحكم التجانس الكبير لسكان ليبيا على المستويين الدينى والقومى، فكان أن خلقت الثورة الليبية استحقاقات مناطقية سيكون من الصعب تجاهلها فى المستقبل عند تشكيل نظام ودولة ما بعد الثورة. فى هذا السياق يمكن التذكير بالدعاوى التى ارتفعت فى بداية الثورة من أجل نقل عاصمة ليبيا من طرابلس إلى بنى غازى لأنها المدينة التى فجرت الثورة ومهدت الطريق أمام الثوار. وأخطر ما فى هذه التمايزات المناطقية أنها تتعزز بقوة السلاح وتستند إلى الإدارة الذاتية والإفلات من قبضة الدولة على مدار شهور طويلة وذلك فى المدن الليبية التى كانت تتحرر تباعا.

 

وها هى مصر بعد الثورة تدفع ثمن تراكم الأزمات المجتمعية وصعود تيارات التشدد الدينى وضعف الدولة وحالة الانفلات الأخلاقى قبل الأمنى والدس من دول القربى والدول غير الصديقة، تدفع ثمن ذلك كله تعصبا مقيتا وفتنة طائفية. وهكذا عرفنا بعد 25 يناير من انتهاكات لحقوق المواطنة ما لم نعرفه قبل هذا التاريخ فى ظل نظام كان يحكم شعبه بالأزمات ويلهى المصريين ببعضهم كى لا يلتفتوا إلى فساده. عاصرنا على مدار عام كامل إنزال عقوبة قطع الأذن على مسيحى، وهدم كنيسة، ثم وهذا هو الأفظع صدور أول حكم عرفى بترحيل أسر مسيحية من مسقط رأسها وأدا لنار الفتنة. يا الله ! ليس أكثر بؤسا من الحل الذى يتقى الفتنة عن طريق البتر والفصل الديموغرافى بين أبناء الوطن الواحد، وقد سبقت تجربة هذا الحل دون جدوى فى الحرب الأهلية اللبنانية عندما كان يتم رحيل المسلمين أو ترحيلهم من مناطق تجمع المسيحيين والعكس، كى يكون العداء عداء خالصا والتواد توادا خالصا ولا تخطئ قذيفة هدفها. ومثلما انتُهكت قيمة المواطنة المصرية بتلك الممارسات الشائنة، فإنها انتُهكت أيضا برفع الصلبان فى المظاهرات وترديد بعض المطالب بتدخل الخارج من دون إغفال الفارق بين الفعل ورد الفعل مع إدانة كاملة لكليهما.

 

•••

 

فى اليمن وليبيا ومصر ــ دع عنك سوريا مؤقتا لأسباب مفهومة ــ يجرى الحديث عن بناء النظم السياسية فى مرحلة ما بعد الثورات، ولعل ما من محور جدير بالعمل على بنائه من جديد مثل محور المواطنة وتأكيد سمو الانتماء للوطن على كل الولاءات التحتية على اختلافها. يبدأ ذلك بوضع دستور ديمقراطى يتضمن بأكثر الصياغات وضوحا قيم المساواة وعدم التمييز بين المواطنين، وسيادة القانون، والتعددية، وتداول السلطة. ثم لا بد من نفاذ هذه القيم من نصوص الدستور إلى رحابة الواقع عبر سياسات تترجمها، وذلك حتى لا نفاجأ بأن حصاد تلك الثورات العربية هو تفكك الأواصر العربية وتدحرج الحركات الانفصالية ككرة الثلج من قمة الجبل إلى أسفله. ومع أن «لو» تفتح الباب لعمل الشيطان فمن المفيد التذكير بأن تجارب الحكم الذاتى فى العراق والسودان، وتجربة الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه وروح ثورة 1919 فى مصر لو قدر لها أن تنجح لما تحول التنوع المجتمعى فى عام 2012 من نعمة للثورات العربية إلى نقمة عليها.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات