أقترح على صديقتى دكتورة بسمة عبدالعزيز فى الطبعة المقبلة من كتابها «إغراء السلطة المطلقة» أن توسع المدى الزمنى لدراستها ليشمل بطش الشرطة فى مرحلة ما بعد مبارك. ليس لأنها سوف تكتشف اختلافا نوعيا فى الأدوات المستخدمة، لكن لأن بعض القصص الدامية التى بدأت وقائعها فى ظل النظام السابق احتاجت إلى ثمانية أشهر بعد سقوطه حتى تتم فصولها. أقول هذا وفى ذهنى قصة الطبيب الشاب أحمد حرارة الذى فقد عينيه ما بين ثورة يناير واعتصام التحرير. لم يقدر لى أن أشاهد لقاء أحمد حرارة مع يسرى فودة مساء الإثنين الماضى، لكنى أحسست نصلا حادا ينغرس فى قلبى عندما سمعت به. شاب فى مقتبل العمر أعطى الوطن نن عينه فى يناير الماضى وانتظر منه الحرية التى وعده بها، لم يكن يعلم أن الوطن يطلب منه المزيد وعندما علم فإنه لم يبخل عليه وأعطاه عينه الأخرى فى أريحية مطلقة وابتسامة رضا. تذكرت الجملة العبقرية التى كتبها لينين الرملى وجرت على لسان محمد صبحى فى إحدى مسرحياته، وكانت تقول «الحياة مش نظر.. الحياة وجهة نظر».
أمثال أحمد هم من دفعوا آلاف الأشخاص كى يتخذوا طريقهم إلى ميدان التحرير، ليس لأنهم يتفقون بالضرورة مع المطالب المرفوعة هناك، لكن لأن أحمد سمّى ابنى وربما ابنك أنت أيضا قد أشرقت عليه الشمس ذات يوم فإذا بالعصا قد أصبحت هى ضالته الوحيدة ليشق طريقه بين الناس ويتحسس الأشياء. شاهدت فيديوهات التشفى والإذلال لمعتصمى التحرير التى أثبتت أن الشرطة موجودة بكامل عدتها وعتادها وسلاطة لسانها أيضا، لكنها موجودة لتردع المسالمين الذين لا يملكون غير حنجرة وإرادة، أما قطاع الطرق والمجرمون والخاطفون فالشرطة لا تواجههم لأننا «أفقدناها الثقة فى نفسها». وها نحن نرد للشرطة ثقتها فى نفسها، أما هى ففقدت لمدى غير معلوم ثقتنا فيها. أقول شاهدت عشرات الفيديوهات والمقاطع عن عنف أصحاب الهراوات والبنادق وماسكات الغاز، ولم تكن تنقصنى إلا قصة أحمد لأنفجر كلمات على الورق.
●●●
عندما اندلعت أحداث التحرير كنت ،وأظن كثيرين مثلى، ساخطين على الشباب المعتصم. كنت أصلا ضد فكرة مليونية الجمعة التى أطلق عليها مسمى جمعة المطلب الواحد وما كان مطلبها واحدا. تميزت غيظا وأنا أرى بعض القوى المدنية تشارك فى تلك المليونية وكأنها تتظاهر ضد نفسها. إذ كيف بها ترفض الوثيقة من حيث المبدأ فيما الوثيقة تؤكد على الالتزام بمقومات الدولة المصرية كما عاش فيها أجدادنا وآباؤنا؟ وكيف بها تختزل الوثيقة فى اللغمين 9 و10 وتسمح لهما بتفجيرها؟ ألا تعلم تلك القوى أن رفض التيار الدينى الوثيقة يتجاوز معنى مدنية الدولة إلى رفض النص على الحقوق والحريات الشخصية؟ إن التظاهر ليس حرفة ولا ينبغى له أن يكون، نتظاهر لإثبات موقف لا لنفى موقف.
وحين تمسك بعض المتظاهرين بعدم مغادرة الميدان أدهش الكثيرين أن تكون القوى المدنية أكثر كاثوليكية من البابا نفسه كما يقول المثل، بمعنى أن تعسكر فى الميدان هى بينما أن التيار الدينى الذى دعا للتظاهر اعتبر أن رسالته وصلت إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة فلملم أمتعته وفض أنصاره وبارحوا الميدان. وهكذا حملت تعليقات المواطنين العاديين على اعتصام التحرير فى بدايته نقدا لاذعا للثوار وتشكيكا فى صدق نواياهم.
●●●
وحده التعامل بالقوة المفرطة قلب مزاج قطاعات واسعة من المواطنين المصريين مائة وثمانين درجة. وجدنا أنفسنا فى لحظات نعيش أجواء ثورة يناير. دعوات التبرع بالأغطية والأدوية تنتشر على الفيس بوك، المستشفيات الميدانية تنصب فى التحرير، الطرقات المفضية إلى «الصينية» الشهيرة تمتلئ بالموظفين والطلاب قرب صلاة العصر مع انتهاء الدوام لأولئك وهؤلاء، شرارة الغضب تمسك بصعيد مصر ودلتاه ومحافظاته الساحلية، وهذا درس أول من دروس اعتصام التحرير. القوة المفرطة تعمل ضد صالح من يستخدمها.
الدرس الثانى أن الذين بدأوا ثورة يناير هم أنفسهم الذين بدأوا اعتصام التحرير، والذين خذلوا الثورة فى بدايتها خذلوا الاعتصام أيضا فى أيامه الثلاثة الأولى على الأقل أى حتى تاريخ كتابة هذا المقال. درس الإخوان الأمر وتدبروه وتشاوروا ثم قرروا المقاطعة، فقط شارك بعض شبابهم، وكأنه لا جديد تحت الشمس. قال لى إبنى إن اثنين من أصحابه كانا ينويان التصويت فى الانتخابات « المقبلة» لصالح الإخوان، ثم غيرا رأيهما بعد أن خذل الإخوان «إخوانهم» فى التحرير. وهذه هى خلاصة الدرس الثانى أن من يبحث عن مكسب انتخابى على جثة الوطن لن ينال شرف تمثيل هذا الوطن حين يطيب ويشفى بإذن الله.
الدرس الثالث أن البدايات الخاطئة تفضى إلى نهايات مأسوية. فلو تأملنا المشهد السياسى المصرى الحالى لوجدنا أننا نعيد إنتاج سؤال الانتخابات أولا أم الدستور أولا الذى أثرناه واختلفنا حوله قبل ثمانية أشهر، نعيد إنتاجه لكن بشكل مختلف. فهناك قائلون بالانتخابات أولا وهم أولئك الذين يتحينون الفرصة لحصد الأغلبية واختطاف الدستور إلى حيث تحط بهم شطحاتهم الذهنية : السودان أو أفغانستان أو السعودية، لا يهم، المهم أن حدود مصر هى دون تطلعاتهم الجغرافية. وهناك قائلون بالإصلاح السياسى أو الأمنى أو كليهما أولا. بمعنى إصلاح جهاز الشرطة حتى يكون قادرا على حماية الانتخابات بشكل فعال ومحترم ونزيه، وإصلاح مسار العملية السياسية بحيث تعاد هيكلة الإطار السياسى القائم بتشكيل حكومة إنقاذ وطنى ومجلس رئاسى مدنى، وفى كلتا الحالتين فإن المعنى غير المباشر هو تأجيل الانتخابات لأجل غير معلوم. وحول هذا المعنى قالت لى إحدى المعتصمات «لن يقتادنى أحد إلى انتخابات هزلية ستكون نتائجها كارثية على مستقبل هذا الوطن».
ينقلنى ما سبق إلى الدرس الرابع الذى أتمنى من كل قلبى أن نستخلصه، وهو أن حدا أدنى متفقا عليه من المطالب بين الثوار خير من حد أعلى يفرق بينهم ولا يبلغه أحد منهم. وبالتالى فإن مطلب إرجاء الانتخابات لحين إعادة هيكلة الشرطة هو مطلب بلا أفق زمنى، وهذا غير مقبول. كما أن فكرة المجلس الرئاسى المدنى فضلا عن عدم واقعيتها ولا دستوريتها هى موضع خلاف كبير حتى بين القوى الدينية نفسها. لقد قام معتصمو التحرير بطرد رموز دينية وليبرالية مرموقة من ساحتهم وهذا يطرح السؤال عن الشخصيات الجديرة شعبيا بعضوية هذا المجلس أما مطلب تسليم المجلس العسكرى السلطة فورا فهذا بالضبط طريقنا إلى الفوضى الشاملة لأنه ما من أحد يستلم.
●●●
إن الوطن يمر بمفترق طرق، وهو يحتاج فى هذه اللحظات إلى تضافر كل الجهود المخلصة والتلاقى عند النقاط الوسط. وهذا يستدعى الوقف الفورى للعنف بين المتظاهرين وقوى الأمن وتقديم المتورطين فى أعمال القنص إلى محاكمة عاجلة وعلنية. ثم نحن نحتاج وقتا لالتقاط الأنفاس قبل الذهاب للانتخابات، أما التصميم على إجرائها فى هذا التوقيت الصعب فهو ضرب من الجنون. وقد عرفنا إلى أين اقتادنا الاستفتاء فى الوقت غير المناسب وكيف عصف باستقرار البلاد وأمنها وأظننا لسنا فى حاجة إلى مزيد. ولعل حكومة الإنقاذ الوطنى التى تمثل مطلبا مشتركا بين كل التيارات السياسية تكون القاطرة التى تعبر بمصر المرحلة الانتقالية الحالية. والأمل أن تنجح هذه الحكومة فى التأكيد على مقومات الدولة وحقوق المواطنة كاملة، فوثيقة المبادئ الحاكمة تتجاوز شخص د. على السلمى، والمطالبة بتعديلها لا تؤدى إلى إلغائها.