أوهام الكهف - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:32 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

أوهام الكهف

نشر فى : الخميس 27 يونيو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 27 يونيو 2013 - 1:21 م

ذكرتنى الرسائل التى أرادت مليونية «لا للعنف» إرسالها لنا بأوهام الكهف التى تحدث عنها عالم الاجتماع البريطانى الشهير فرنسيس بيكون فى كتابه «الأرجانون» ومعناه مبادئ البحث الفلسفى.

 

فكرة الكتاب ببساطة أن هناك مجموعة من الأوهام التى تتسلط على العقل البشرى تجعله يرى الأمور على غير حقيقتها، ومن تلك الأوهام مثلا أن يتشبث الواحد منا بفكرة لا يغيرها مهما تغيرت الظروف، أو أن يسقط تمنياته الذاتية على الواقع، أو أن يعيش حياته أسير الماضى، أو أن يهتم بالتفاصيل الجزئية للظواهر على حساب صورتها الكلية... إلخ.

 

أما وجه الشبه بين رسائل المليونية وأوهام بيكون فهو مفارقة الواقع فى الحالتين ورؤيته كما يحب المرء أن يكون وليس كما هو كائن فعلا. الفارق الوحيد أن جهد بيكون وأمثاله قاد العالم إلى الثورة الفرنسية، أما مظاهرة رابعة فإنها انقلاب على معنى الثورة وترسيخ الوضع القائم وإن كان هذا الوضع رديئا مشوها.

 

أسقط المتحدثون فى رابعة أفكارهم والتاريخ الدموى لبعضهم على معارضى الدكتور مرسى فألصقوا بهم تهم العنف والتخريب وطهروا منها أنفسهم، اكتفوا بمراجعات التسعينيات رغم الشكوك التى تحيطها وحصلوا بها على صكوك البراءة.

 

لم يستمعوا إلى كلماتهم التى تنذر المعارضين بالسحق وتحرض مرسى على الإجراءات الاستثنائية والمحاكم الثورية، ولا أبصروا التدريبات العسكرية وعروض سلاحف النينجا والمشهد العبقرى لرجل يحمل عصا غليظة عليها لافتة « سواك» يريد بها أن يقول إن كانت تلك عصا لتنظيف الأسنان فما بال العصا لمن عصى؟.

 

ولا أشجاهم نشيد « يا مرسى اتوكل على مولاك» وكأن مرسى فى مهمة مقدسة لتطهير مصر من «الأوغاد»، بل إن أحدهم تحدث فعلا عن « فتح مصر». لم يحدث أى شيء مما سبق، أو الأدق أنه حدث لكن هم لم يرونه عنفا بل رأوه دفاعا عن الشريعة والشرعية.

 

●●●

 

للمرة الكم لست أدرى تقفز الشريعة والمادة الثانية إلى ساحات التظاهر، لم يدرك متظاهرو رابعة أن خلط الأمور انطلى على الناس أول مرة فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية، ثم انتبه إليه الناس فى انتخابات مجلس الشعب، ثم رفضوه فى الانتخابات الرئاسية. لم يدركوا أن أكثر الفصائل الإسلامية دفاعا عن تطبيق الشريعة، أى التيار السلفى والحزب الممثل له، لم يكن حاضرا بينهم وأنه لو كانت القضية هى قضية الشريعة فإنه قطعا ما تخلف عن المشاركة.

 

ومع ذلك ما زال عرض مسرحية الدفاع عن الشريعة يتكرر رغم ضعف الإقبال الجماهيرى، يتكرر لأنهم لا يبصرون والأدق أنهم لا يريدون أن يبصروا. أما الشرعية فتلك قصة أخرى، صنع متظاهرو رابعة لأنفسهم مفهومهم الخاص للشرعية، مفهوم يتقيد بنتائج صندوق الانتخابات ولا يتزحزح عنها قيد أنملة.

 

لم تمر عليهم نظرية العقد الاجتماعى القائمة على أساس مجموعة من الالتزامات المتبادلة بين الحاكم والمحكومين وإلا لكان الأمر توقيعا شعبيا على بياض، ولا توقفوا حتى أمام نماذج الخروج على البيعة فى التاريخ الإسلامى، بل إنهم زايدوا بالهتاف « مكملين سبع سنين» أى ردوا على رافضى إكمال مرسى دورته الأولى بأنه سوف ينتخب لدورة رئاسية ثانية. الشرعية كالشريعة مفهوم مرن يجرى تطويعه وفق الأهواء ليعاد تصديره إلى الناس وهما بين الأوهام.

 

●●●

 

قدم المشاركون فى مظاهرة رابعة أنفسهم باعتبارهم « الشعب المصرى «وبوصفهم « الثوار»، وفيما بعد ذكر القيادى الإخوانى عصام العريان أنه لا يعتقد أن الشعب المصرى سيشارك يوم 30 يونيو، بينما وصف الشيخ محمد حسان مظاهرات 30 يونيو بأنها شائعات لأن الشعب كله نزل فى مليونية « لا للعنف».

 

هذا بالضبط هو ما وصفه فرانسيس بيكون بأنه رؤية الواقع كما يتمنى المرء أن يكون لا كما هو كائن فعلا. الشعب فقط هو من كان فى رابعة أو من يؤيد الرئيس، لكن كل هذه الملايين التى وقعت استمارات تمرد ليست سوى وهم كبير، متظاهرو المحلة والمنوفية والإسكندرية وطنطا والأقصر مجرد فوتوشوب.

 

معذور ألا يرى محمد حسان شعبا خارج دائرة مسجد رابعة، فمن قبل أخرج حسان الشيعة بحضور الرئيس من دائرة الشعب بل ومن الملة نفسها فكانت المذبحة البشعة التى وقعت فى قرية ليس لها من اسمها أى نصيب «قرية زاوية أبو مسلم». لم يتبين المتظاهرون وهم يؤكدون أنهم شعب مصر كونهم فى الحقيقة يتصرفون بمنطق الأهل والعشيرة، ولا أكثر دلالة على ذلك من الهتاف الذى تكرر عدة مرات «الثوار بيقولوا مرسى مش بطوله»، فإن كانوا هم الشعب فمن يهدد مرسى إذن وممن يريدون حمايته؟

 

عيوننا على 30 يونيو لنرى الواقع واقعا ونشرع فى تغييره ليليق بثورة هى الأعظم فى تاريخ مصر، لسنا وحدنا فى هذا الوطن ولا يمكن لنا أن نكون، لكن أحدا فى الوقت نفسه لا يملك إقصاءنا مهما تسلطت عليه أوهام الكهف.

 

 

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات