كعادة الكثير من الأسر المصرية فى أجازة عيد الثورة هرب أفرادها من حر القاهرة إلى المصايف بحثا عن نسمة هواء، وبدت القاهرة فى منتصف يوم الخميس الموافق الثالث والعشرين من يوليو كأنها مدينة نزح أهلها فجأة لعارض ألَم بها.
على أحد كبارى مصيف مارينا الشهير كان الزحام لا يحتمل، فعند نهاية الكوبرى يقع أحد أشهر بلاجات القرية، وعلى جانبيه تصطف الكافيهات المتناثرة تقدم لزبائنها كل شىء وأى شىء: الأسماك، البيتزا، الساندويتشات السريعة، ومختلف ألوان المشروبات. وعلى شاشاتها العملاقة تُعرض مواد شديدة التنوع من مباريات كرة القدم إلى كليبات الأغانى. وهكذا سمح طول الطريق لصاحبتنا بأن تجول ببصرها تتأمل خلق الله وتبحث عن جديد مارينا هذا العام، وعادة ما يكون للقرية جديدها.
استلفتت نظرها أربع لوحات ضوئية ضخمة عالية كُتبت عليها باللغة الإنجليزية العبارات التالية على التوالى:
Remember Allah You Might Meet Him Now
He Is Watching His Door Is Always Open
أعادت قراءة اللوحات عدة مرات فلم تكن تلك اللوحات تقليدية بأى مقياس، وعندما فهمت ممن كانت فى صحبتهم أن اللوحات نفسها تنتشر بين أرجاء القرية، وتضئ واجهات الصيدليات والسوبر ماركت وبعض المطاعم، زاد فضولها.
كانت ملاحظتها الأولى أن اللوحات الدينية كتبت باللغة الإنجليزية، وهذا يطرح سؤالا عمن تخاطبهم، الأرجح أنهم عموم نزلاء مارينا بافتراض أن هؤلاء لا يقرأون اللغة العربية وبالتالى كان لابد من التواصل معهم بالمفردات التى يفهمونها. ومع ذلك فإن المضمون الدينى للوحات كتب بإنجليزية ركيكة لا ترقى إلى مستوى من يُعاَملون على أساس أن الإنجليزية هى لغتهم الأم. خذ مثلا اللوحة التى كُتب عليها he is watching، والتى يراد منها القول إن الله رقيب على أعمالنا أو شاهد عليها وسوف تجدها ناقصة لأنها لا تفيد الرقابة على ماذا أو مشاهدة ماذا وكان الأفضل هو he is watching what you are doing.
أو خذ اللوحة التى كتب عليها you might meet him now والتى يقصد بها التحذير من أن المرء قد يلاقى ربه فى أى لحظة، وستجد أن المعنى مفهوم لكنه غير متداول ولعل أفضل منه القول you might end up dead now. هكذا أدخلنا استخدام اللغة الإنجليزية للتعبير عن معانٍ دينية فى متاهة الترجمة الحرفية التى قد لا تكون رصينة بالضرورة، وما كان أغنى عنها أصحابها لو عبروا عما فى رءوسهم بلسان عربى سليم.
ملاحظتها الثانية هى أن اللوحات الأربع خلت من ذكر أى مصدر مسئول عنها، وهذا يثير سؤالا حول عدم تحديد صاحب اللوحات هويته. بطبيعة الحال قد يقال إن من دعا إلى ذكر الله يريد أن يكون ثوابه خالصا لا تخالطه أى شبهة دعاية، خاصة إن كان هذا الداعى رجل أعمال معروفا أو صاحب إحدى الشركات التجارية الشهيرة. لكن فى الوقت نفسه فإن استخدام الرجل تسهيلات القرية لإضاءة اللوحات الأربع يجعل شخصيته معلومة لعدد لا بأس به من المسئولين فى إدارة مارينا، هذا إلى أن مصداقية أى دعوة ترتبط إلى حد كبير بشخص صاحبها، فمن يدعو غيره لذكر الله وينسى نفسه ليس كمن يدعو لذكر الله وهو له من الذاكرين. لكن هل يملك أى أحد الإعلان عن أى شىء؟ وبأى مقابل؟
ملاحظتها الثالثة ترتبط بالاستفهام عن دلالة المكان الذى اختير لتثبيت اللوحات الأربع فيه. هى لا تعرف إن كانت لوحات مماثلة قد انتشرت بطول قرى الساحل الشمالى، أم أن هذه الظاهرة الجديدة لا محل لها إلا فى مارينا، ولهذا السؤال ما يبرره. فإذا انتشرت الدعوة لذكر الله على طول الساحل، فهذا يمكن وضعه فى إطار ظاهرة المد الدينى، التى نلمسها جميعا بأشكال مختلفة، كما يمكن ربطه بتلازم جزء من موسم الاصطياف لأول مرة منذ سنين مع جزء من شهر رمضان وما يثيره هذا التلازم من حاجة إلى ضبط مظاهر الانفلات الأخلاقى فى المصايف.
وقد بدأ بالفعل بعض المصطافين يفكرون كيف يوفقون بين روحانية شهر الصيام ومباهج موسم الاصطياف، وهل يمكن ابتكار آليات لجمع الدين مع الدنيا كما سبق أن ابتكرت فكرة البلاجات الخاصة بالنساء أم لا. هنا تأتى اللوحات الضوئية لتقول إن الجمع ممكن.
أما إذا كانت اللوحات الدينية لا تزرع إلا فى مارينا حيث يصطاف رجال الدولة وكبار مسئوليها وإعلاميها وفنانيها، حيث تفوح رائحة المال وتتبلور القرارات السيادية فى جلسات النميمة السياسية وتقترن الثروة بالسلطة فى زيجات أبناء النخبة وأفراحهم الأسطورية، إذا كان لا وجود لتلك اللوحات إلا فى العاصمة الصيفية للسلطة المصرية، فهذا قد يعنى أن ساحة جديدة للصراع نشأت بين السلطة وخصمها الألد: التيار الدينى، وأن كل الخبرات المتراكمة للطرفين من صراعهما فى ساحات الجامعة والجامع والنقابة والشارع ربما لا تفيدهما كثيرا فى مارينا، فالمعطيات شديدة الاختلاف بسبب خصوصية المكان وطبيعة مرتاديه، ولننتظر لنرى.