الإعلان الدستورى فى سوريا بين الانسجام والتناقض.. وجهة نظر نسوية - مواقع عربية - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 2:56 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الإعلان الدستورى فى سوريا بين الانسجام والتناقض.. وجهة نظر نسوية

نشر فى : الأربعاء 2 أبريل 2025 - 6:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 2 أبريل 2025 - 6:55 م

يُعد الانسجام بين مواد أية وثيقة قانونية واحدًا من الأدلة الهامة على الوحدة العضوية التى تربط بين مواد هذه الوثيقة ودليلاً هامًا على وضوح الرؤية المستقبلية عند واضعى هذه الوثيقة وعند من أقرّها أيضًا. وتزداد أهمية وضرورة هذا الانسجام فى حال كانت هذه الوثيقة القانونية هى الدستور، بأى شكل كان، بوصفه يُمثّل القانون الأعلى فى الدولة، والذى سيكون مسطرة لسن بقية التشريعات والقوانين.
غالبًا ما ظهر التناقض بين بعض المواد فى الدساتير السورية المتعاقبة، وكان أبرز هذه التناقضات بين المادة التى تنص على أن دين رئيس الدولة هو الإسلام والمادة التى تتحدث عن أن المواطنين متساوون بغض النظر عن الدين. وفى السياق السورى الراهن، يحقُ لنا أن نتساءل عن الإعلان الدستورى السورى الذى أقرّه رئيس البلاد فى 13 مارس 2025، والذى شابته الكثير من العيوب، كان التناقض بين مواده واحدًا من أبرزها، عدا عن غياب مواد هامة عنه، وعن كونه إعلانًا لم يضمن المساواة بين النساء والرجال.
وقبل الحديث عن مثالب هذا الإعلان لا بد من الإشادة بالمواد التى تضمن الحقوق العامة والحق بالتنمية الشاملة. تعد جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها فى المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التى صادقت عليها الجمهورية العربية السورية جزءًا لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستورى.
• • •
أما التناقض فيبدأ فى مرجعية الإعلان التى تمثلت بـ«مؤتمر النصر» الذى شارك فيه عدد من الفصائل العسكرية التى «انتصرت» وأطاحت بحكم آل الأسد، ومن مخرجات مؤتمر الحوار الوطنى (25 فبراير 2025) الذى وُجهت الكثير من الانتقادات لطريقة اختيار أعضائه وعضواته ولأن توصيات هذا المؤتمر لم تعكس كل ما جرى طرحه فى جلساته. وبهذا الشكل تكون شرعية الإعلان مستمدة من قرارات ممثلى الفصائل «المنتصرة» ومن توصيات لم تمثل محصلة إرادة المشاركين والمشاركات فى المؤتمر، وليست مستمدة من شرعية وطنية تمثيلية، حتى ولو لم تكن منتخبة. كما تتناقض المادة 4: «اللغة العربية هى اللغة الرسمية للدولة» مع الفقرة الثالثة من المادة 7: «تكفل الدولة التنوع الثقافى للمجتمع السورى بجميع مكوناته، والحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين». أما المادة 2 التى تُركّز «على مبدأ الفصل بين السلطات» فتناقضها الصلاحيات الكبيرة لرئيس البلاد فى المادة 24: يُشكّل رئيس الجمهورية لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب.. يُعيّن رئيس الجمهورية ثلث أعضاء مجلس الشعب.. حتى إن المادة 39 تسمح للرئيس بالاعتراض على القوانين التى يقرها مجلس الشعب، ولا تقر القوانين بعد الاعتراض إلا بموافقة ثلثى مجلس الشعب، وهو أمر صعب التحقيق. كما أن المادة 47 تنص على أن رئيس الجمهورية هو من يسمى أعضاء المحكمة الدستورية العليا. وخلاصة القول هنا إن رئيس البلاد يحق له التدخل فى مهمات السلطة التشريعية والسلطة القضائية.
• • •
التناقض الداخلى ذاته يظهر أيضًا فى المادة 23 التى تنص على مسئولية الدولة فى صيانة الحقوق والحريات ولكن «يجوز إخضاع ممارستها للضوابط التى تُشكّل تدابير ضرورية للأمن الوطنى أو سلامة الأراضى أو السلامة العامة أو حماية النظام العام ومنع الجريمة، أو لحماية الصحة أو الآداب العامة»، وشكّلت مسوغات الإخضاع للضوابط مروحة كبيرة يسهل استخدامها من السلطة الحاكمة عند أصغر مخالفة أو تحد لسياسات هذه السلطة.
كما يبدو التناقض واضحًا بين المادة 26: يتولى مجلس الشعب السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم، وإجراء انتخابات تشريعية جديدة وفقًا له. مدة ولاية مجلس الشعب ثلاثون شهرًا قابلة للتجديد، والمادة 52: تُحدّد مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات ميلادية؛ حيث يجب أن تنتهى المرحلة الانتقالية بمجرد اعتماد الدستور الدائم وإجراء الانتخابات التشريعية وفقًا له، والمفروض أن يجرى الانتهاء من هاتين المهمتين مع انتهاء ولاية مجلس الشعب المُعيّن، حتى لا تضطر السلطة الحاكمة للتجديد له لمدة تساوى مدته الأصلية وهى ثلاثون شهرًا.
• • •
وفى قضايا حقوق المرأة يُعيدنا هذا الإعلان إلى المعضلة الكبيرة فى الدساتير السورية عامة وهذا الإعلان خاصة، وهى غياب النص على المساواة بين النساء والرجال بشكل صريح. وعلى الرغم من إيجابية الفقرة الثانية من المادة 21: تكفل الدولة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمرأة، وتحميها من جميع أشكال القهر والظلم والعنف، إلا أن حماية المرأة من التمييز بأشكاله كافة كان غائبًا عن هذه الفقرة.
كما تعيدنا الفقرة الثالثة من المادة 3: الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية وفقاً للقانون، إلى معضلة أخرى تتمثل فى أن حقوق النساء داخل الأسرة مرهونة بانتمائها الطائفى! فى الوقت الذى تطالب فيه الحركة النسوية، وجزء هام من الحركة النسائية، بقانون أسرة مدنى موحد لكل السوريين والسوريات لاستئصال التمييز من قوانين الأحوال الشخصية، جميعها، التى تُكرّس قوامة رجال العائلة على نسائها.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه القوامة تنعكس فى عدد من القوانين المدنية مثل قوانين العقوبات والعمل والتأمينات. ونتساءل عندما نقرأ المادة 21: تحفظ الدولة المكانة الاجتماعية للمرأة، وتصون كرامتها ودورها داخل الأسرة والمجتمع، وتكفل حقها فى التعليم والعمل. عن أية مكانة للمرأة يتحدث الإعلان؟ هل يتحدث عن المكانة الحالية للمرأة فى المجتمع والقوانين، وهى مكانة أقل بكثير من مكانة الرجل؟ وأما كان الأجدر بهذا الإعلان أن ينص على الارتقاء بهذه المكانة حتى تعادل مكانة الرجل فى الأسرة والمجتمع؟ ولماذا الحديث عن دور المرأة داخل الأسرة دون الحديث عن دور الرجل داخل الأسرة؟ وهل يعكس هذا الأمر تكريسًا للدور النمطى للمرأة داخل الأسرة؟
وماذا عن الفقرة الثانية من المادة 11: يقوم الاقتصاد الوطنى على مبدأ المنافسة الحرة العادلة ومنع الاحتكار؟ ونحن نعرف أن النساء هن الخاسر الأكبر فى اقتصاد المنافسة الحرة؛ حيث تكون المرأة العاملة، وبخاصة فى القطاع الخاص، مسلوبة حقوق إجازة الأمومة حتى ولو نصّ عليها قانون العمل، حيث يلجأ أصحاب العمل إلى الاستغناء عن تشغيل النساء. وبسبب المنافسة الحرة غالبًا ما تخرج النساء من سوق العمل الرسمية (المنظم) لتتجه نحو العمل فى سوق العمل غير المنظم، حيث لا حقوق مضمونة.
• • •
يُمكن البدء بأن غياب مبدأ السيادة للشعب يشكل مثلبًا كبيرًا فى ترسيخ الديمقراطية التى غابت أيضًا عن هذا الإعلان. كما غاب عن الفقرة الثانية من المادة 14: تضمن الدولة عمل الجمعيات والنقابات، حرية تشكيل وعمل الجمعيات. وكان من الأفضل فى المادة 15: العمل حق للمواطن، إضافة كلمة وواجب، ومن شأن إضافة هذه الكلمة (واجب) دفع السلطة الحاكمة إلى رسم سياسات حكومية تُشجّع النساء على العمل، ولا سيما أن حصة النساء من قوة العمل فى سوريا، وفقًا للإحصائيات الرسمية، لا تتعدى خمس هذه القوة.
وغاب عن المادة 30 التى تتحدث عن مهمات مجلس الشعب مهمة مساءلة واستجواب الوزراء وليس مجرد عقد جلسات للاستماع. وغابت فى المادة 43 آلية تشكيل المجلس الأعلى للقضاء. أما الفقرة الثانية من المادة 49: تستثنى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وكل الجرائم التى ارتكبها النظام البائد من مبدأ عدم رجعية القوانين، فلم تشمل كل الجرائم التى ارتكبتها الأطراف المسلحة من غير النظام. كما غاب فى المادة 50: يتم تعديل الإعلان الدستورى بموافقة ثلثى مجلس الشعب بناء على اقتراح رئيس الجمهورية، حق مجلس الشعب باقتراح تعديل للإعلان الدستورى وفق آلية ديمقراطية دون أن ترتهن إرادة هذا المجلس لاقتراح من رئيس الجمهورية.
وإضافة إلى كل ما سبق لم يحجز الإعلان الدستورى «كوتا» محددة للنساء فى جميع المواقع المنتخبة أو المعينة. وفى خلاصة هذا النقاش للإعلان الدستورى يُمكن القول إن هذا الإعلان الدستورى شابه الكثير من التناقض والنقص، ولم يعكس رؤية متقدمة لمكانة المرأة ومشاركتها فى الحياة العامة، ولا يُمثّل إلا خطوة متواضعة جدًا على طريق القطع مع الاستبداد الذى عانت منه البلاد لأكثر من ستة عقود من الزمن.

سوسن زكزك
موقع 180
النص الأصلى:

التعليقات