فى عددها الصادر يوم 27 سبتمبر الماضى نشرت صحيفة Business Insider على صفحتها الرياضية 11 سببا يدعون الاتحاد الدولى لكرة القدم (الفيفا) إلى اعتبار استضافة قطر كأس العالم 2022 بمثابة كارثة. وكانت الأسباب المذكورة على التوالى: استخدام العبودية فى تشييد البنية التحتية، وارتفاع درجة حرارة الجو فى الصيف مما يدعو لبحث إقامة البطولة فى الشتاء، وعدم إباحة القانون القطرى الشذوذ الجنسى وبالتالى حرمان المثليين من صحبة أصدقائهم، وما تردد عن الرشاوى التى دفعت لبعض أعضاء الفيفا للتصويت لصالح قطر فى 2010، وأنه حتى الآن لم يشيد أى ملعب للبطولة، كما لم تشيد بعد المدن التى ستستضيف هذا الحدث الكروى الهام، ولم تنجز فكرة تكييف الملاعب، وسيحدث تداخل مع موعد تنظيم دورى الأبطال الأوروبى فى حال نقل كأس العالم للشتاء، وبناء على ذلك سيكون على الفيفا إعادة التفاوض على حقوق البث التلفزيونى لكل من كأس العالم والدورى الأوروبى، وسيحدث أيضا تداخل مع موعد تنظيم بطولة البيسبول فى أمريكا مما يؤدى لصرف الجمهور الأمريكى عن متابعة كأس العالم، وأخيرا يوجد احتمال لعدم السماح ببيع البيرة للمشاهدين!
●●●
من كل هذه القائمة الطويلة من الأسباب سأتوقف أمام السبب الأول المتعلق بأعمال السخرة فى تشييد البنية التحتية القطرية استعدادا لمباريات كأس العالم، وذلك لأنه يكشف الغطاء عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان فى دولة لا تتوقف عن توزيع دروس الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان على العالم كله. فقبل يوم واحد من المقال المشار إليه، كانت صحيفة الجارديان قد نشرت مقالا لكبير مراسليها الرياضيين أوين جيبسون بعنوان « عبيد كأس العالم فى قطر» أحدث ضجة كبرى فى العالم بعد أن استعرض الظروف بالغة السوء التى تحيط بالعمالة الوافدة، تلك الظروف التى تقوم على العمل القسرى وتعيد إلى الأذهان عصر العبودية. فعلى الفور أصبح هذا المقال موضوعا لعناوين العديد من الصحف الدولية. ومع أنه سبق لسفيرة نيبال فى قطر، ونيبال هى الدولة التى استشهد بها للتدليل على العمل القسرى فى تشييد البنية التحتية لكأس العالم، سبق لها أن أشارت صراحة لهذه الظاهرة قبل عدة أشهر إلا أنه لأسباب غير معلومة لم يهتم أحد بما قالته السفيرة فى حينه، الآن فقط تم فتح ملف السخرة فى قطر، حتى إذا استخدمت السفيرة مصطلح « السجن المفتوح « فى وصف إمارة آل ثان احتجت الخارجية القطرية فاستدعتها دولتها للتشاور. نيبال التى لم يسمع كثيرون بها من قبل هى دولة صغيرة تقع على جبال الهيملايا بين كل من الهند والصين، وهى من ذلك النوع من الدول التى توصف بأنها حبيسة لأنها لا تطل على أى بحار أو محيطات، وهى أيضا واحدة من أفقر دول العالم إذ يبلغ متوسط نصيب الفرد فيها من الناتج المحلى الإجمالى 1144 دولارا سنويا بواقع حوالى 3 دولار يوميا. هذا ويقدر عدد العمالة النيبالية فى تجهيز ملاعب قطر بحوالى 300 ألف عامل، وذلك على عهدة اذاعة ألمانيا «Deutsche Welle» فى 27 سبتمبر الماضى نقلا عن إحصاءات رسمية نيبالية. وفى المقال القنبلة عن عبيد كأس العالم حاول أوين جيبسون أن يسلط الضوء على بعض جوانب معاناة العمال النيباليين الذين حزموا أمتعتهم وغادروا ديارهم قاصدين إحدى أغنى دول العالم سعيا وراء الرزق. يحكى المقال عن غرف تبلغ مساحتها من 3 إلى 4 متر لا تكاد تتسع لفرد واحد فإذا بأحد عشر رجلا يحشرون فيها حشرا، وعن جهاز تكييف متهالك فى مناخ تزيد حرارة الصيف فيه عن 50 درجة مئوية وتكتم رطوبته الأنفاس، وعن الأجر الذى لا يتجاوز 900 ريال شهريا بينما كان الوعد ب 1500 ريال، وعن أنه لا حمامات للاغتسال بل مجرد دلو هنا ودلو هناك، وعن العمولات التى دفعها العمال لمكاتب السمسرة من قروض لم يسددوها بعد.
لكن المقال على إحكامه شىء، والفيديو الذى وضعته الجارديان على موقعها الإلكترونى شىء آخر تماما فليس من قرأ كمن رأى. يبدأ الفيلم بالتجول بين المبانى الشاهقة المتلألئة على خليج الدوحة، ثم ينتقل مباشرة ليصور صراخ وعويل نساء ضامرات يبكين أحد أقاربهن الأربعة وأربعين الذين سقطوا ضحية السخرة فى واحة الديمقراطية فى الشرق الأوسط. يتابع المشاهد المسار الحزين لجثمان شاب فى السادسة عشرة من عمره قضى نحبه فى العمل بعد أزمة قلبية مفاجئة، وتوقف المشاهد معه عند مسقط رأسه فى نيبال. تم وضع الجثمان على ألواح من فروع الشجر أمام الأهل، ووضع فوقه غطاء برتقالى بينما راحت النساء تنثر عليه أوراق الورد. تقدمت سيدة مسنة الأرجح أنها جدته فكشفت الغطاء البرتقالى عن جثمانه وراحت تضرب بيدها فى الهواء، لقد ذهب الحفيد إلى الدوحة لينفق على أسرته الممتدة لكنه عاد أدراجه بأسرع من المتوقع. حمله ستة رجال وذهبوا به إلى حيث أضرموا فيه النيران فتحول إلى رماد تذروه الرياح، ويغلق الفيديو على هذا المشهد الكئيب.
●●●
سيجد المدافعون عن قطر ما يردون به من مصر غيبتها، فستتكرر على ألسنتهم عبارات الفبركة الإعلامية والفوتوشوب، سيتحدثون عن المؤامرة الدولية التى تستكثر على قطر تنظيم كأس العالم، سيسألون ما بالكم تهتمون بحقوق العامل النيبالى الهندوسى، سيقولون ذلك وأكثر منه. لكنهم إذا عادوا إلى مقال أوين جيبسون وقرأوا الفقرة الخاصة بيوم فى حياة عامل بناء، سيجدون أن هذا العامل الذى يرمز له المقال بحرفين من اسمه (K.K) يشير إلى أن الغرفة الملاصقة لغرفته تكتظ بعمال من سريلانكا فيما تكتظ أخرى بعمال من مصر، نعم من مصر ولعل هذا يعنى لهم شيئا أو يلمس فيهم وترا.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة