اهتمام مفاجئ بقضايا المرأة المصرية من قِبل مؤسسة الرئاسة يلحظه كل من يعنيه شأن المرأة باعتباره محددا لمستقبل الوطن. فمن دعوة الرئاسة للاجتماع مع أعضاء المجلس القومى للمرأة فى 28/2 مصحوبة باستفسار دقيق عن أنشطة المجلس وبرامجه، إلى الإعلان المفاجئ عن مؤتمر يحضره الرئيس فى 24/3 لإطلاق مبادرة برعايته تهدف إلى «دعم حقوق وحريات المرأة المصرية»، إلى اعتبار الرئيس أن الارتقاء بالمرأة يعد أحد المجالات المطلوب تفعيل العمل العربى المشترك فيها كما ورد بخطابه أمام قمة الدوحة فى 26/3. فهل يؤشر هذا الاهتمام إلى بداية وضع المرأة على جدول أولويات النظام؟ فلو صح ذلك فما هو مضمون هذا الاهتمام؟
●●●
أنتمى إلى الرأى الذى يعتبر أن دور النظام مهم فى النهوض بالمرأة لا سيما حيث تسود ثقافة تميز بين المواطنين على أساس النوع. وقد فرغتُ توا من قراءة دستور زيمبابوى الجديد الذى أُقرِ قبل أقل من شهر، ولمستُ كيف يضع هذا الدستور إطارًا نظريًا ضامنًا لحقوق النساء وحرياتهن. فالدستور المشار إليه يجعل من المساواة النوعية واحدة من القيم الأساسية التى يرتكز عليها النظام، وهو يحدد التدابير المطلوبة لتمكين النساء من الحصول على فرص مساوية للرجال فى التنمية، ويؤكد على الالتزام بالتعهدات الدولية ومنها تلك التى تخص النساء، ويحدد سن الزواج للكافة بما لا يقل عن 18 سنة، ويحرص فى كل ما يرتبط بشروط تولى الوظائف العامة والمراكز القيادية بما فيها رئاسة الدولة ومجلس الشيوخ على التأنيث إلى جانب التذكير (هو أو هى) لسد الباب أمام أى تأويل تمييزى، ويعدد حقوق النساء فى التعليم والصحة والأجر المتساوى عن العمل المتساوى والحضانة ومنح الجنسية للأبناء..... إلخ. مثل هذه الوثيقة الدستورية التى دعمها بقوة الرئيس روبرت موجابى وحزبه الحاكم تضع فى يد كل امرأة فى هذا البلد نصوصا تدافع بها عن حقها فى مواطنة كاملة وأهلية تامة، ويمكن الاستناد عليها فى سن مجموعة من التشريعات التى تكفل تنزيل تلك النصوص على أرض الواقع. أما فى مصر فعلى ماذا نستند فى الدستور الذى صاغته جماعة الرئيس وغابت عنه المرأة بالكلية اللهم إلا فى عبارات إنشائية جاءت بالديباجة، وفى نص المادة العاشرة التى لا تتكلم إلا عن المرأة فى سطرين اثنين إما كمعيلة أو مطلقة أو أرملة.
●●●
تلك المقارنة مهمة لأنها توضح أن غياب فلسفة المساواة عن واضعى الدستور المصرى تجعل من إطلاق مبادرة لدعم حقوق المرأة وحرياتها تطورا يستحق التأمل والتحليل. بداية يٌلاحظ أن للمبادرة أطرافا ثلاثة هى رئاسة الجمهورية والمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية والهيئة العامة للاستعلامات، أى أن الآلية الوطنية التى استحدثتها الرئاسة فى عام 2000 والمقصود بها المجلس القومى للمرأة ليست شريكا فى المبادرة، الأمر الذى يعنى أن تلك الأخيرة ستشكل عنصرا منافسا للمجلس القومى. وأول الغيث كان الإعلان عن حلقة نقاشية ينظمها المركز القومى للبحوث حول «التحرش الجنسى بين القانون والمواجهة المجتمعية». يحدث هذا فى الوقت الذى انتهى فيه المجلس القومى للمرأة من إعداد مشروع عن «حماية المرأة من العنف» كان قد كلف المجلس بإعداده الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء. والمشروع المذكور يتعامل مع صور العنف المتفاقمة بعد الثورة، فضلا عن بعض صور العنف التى لم يتم التطرق لها على وجه التحديد بواسطة المشرع المصرى. فى الفئة الأولى من العنف يدخل التحرش الجنسى الذى يتسع ليشمل الأقوال ذات الإيحاءات الجنسية أو الداعية لممارسة الجنس بأى وسيلة. وفى الفئة الثانية من العنف يدخل الحرمان من الميراث الذى يمثل حقيقة واقعة فى مجتمعنا بالتضاد الصريح مع نصوص الشريعة الإسلامية. ومؤدى هذا، أن المجلس القومى للمرأة تجاوز فعليا مرحلة البحث والتحليل التى تقف عندها الحلقة النقاشية للمركز القومى للبحوث، وأنه لو أرادت الرئاسة وشركاؤها التحرك جديا فى اتجاه منع التحرش الجنسى لوجب أن تكون نقطة الانطلاق من مشروع المجلس القومى للمرأة وليس من المربع صفر. لكن القصد ليس هو منع العنف ضد المرأة بل الغرض هو ضرب الآلية الوطنية التى نعلم موقف الإخوان والأخوات منها. وإذا كان من الصعب على الرئاسة فى هذه المرحلة التى تتزايد فيها حدة النقد الدولى لوضع الحقوق والحريات فى مصر أن تلغى مجلس المرأة، فمن السهل عليها أن تسحب البساط من تحت قدميه بمبادرة تنتهى «بتكوين شبكة قومية للدفاع عن حقوق المرأة».
●●●
الملاحظة الأخرى أن هدف المبادرة هو التعرف على تحديات المرأة لتقديم رؤى واقعية تسهم فى صنع السياسات والقرارات والتشريعات التى تنهض بالنساء. هنا لن أثير النقطة الخاصة بحجم المال والوقت والجهد الذى سيُبذل للتعرف على تحديات هى فى الأصل معروفة للجميع ويتصدرها الشأن الاقتصادى والأحوال الشخصية. لكنى سأطرح السؤال التالي: بفرض أن من بين التحديات التى تم رصدها أمر حساس كقضية حضانة المطلقة لأطفالها مثلا، فكيف يمكن لمؤسسة الرئاسة أن تبلور رؤية تستجيب لهذا التحدى ولا تصطدم بموقف التيار الدينى صاحب الأغلبية البرلمانية فى الوقت نفسه؟. إن مشروع قانون الرؤية الجديد الذى نظره مجلس الشعب السابق اشترط حرمان الأم من نفقة الحضانة إذا اختار الأبناء البقاء معها بعد السن القانونية (7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت )، فماذا لو اشتكت النساء من صعوبة الاختيار ومرارته بين حضانة الصغار وشظف العيش وكأن المشرع يعاقبهن على حسن رعاية الأبناء؟. مرة أخرى إن غياب فلسفة المساواة يقيد قدرة الرئاسة على الفعل والتأثير، هذا بافتراض أنها تريد.
●●●
الملاحظة الأخيرة أن ضبابية المبادرة تشكك كثيرا فى صدق هدفها. فأول ما سمعنا عن المبادرة قيل إنها تتضمن بحثا ميدانيا ومقابلات شخصية وحلقات نقاشية لمدة ثلاثة أشهر، وعندما قرأناها تبين أنه سوف تنبثق عنها شبكة لدعم حقوق المرأة وحرياتها، ثم فى آخر فقرة فى المبادرة تبين لنا أن الأمر كله سيصب فى خطة خمسية للمرأة. هذه الخطة لم يعلم بها مخلوق ولا صرح بها الرئيس مع أن أول شروط نجاح الخطة تحفيز الجهود لتنفيذها، وإلا كيف سنتحفز لتنفيذ خطة سرية للنهوض بالمرأة؟. تذكرنى المبادرة وشبكتها القومية بتجربة جبهة الضمير التى أُريد بها الالتفاف حول جبهة الإنقاذ، ثم لم يعد ينشر عنها خبر.
إن مبادرة دعم حقوق وحريات المرأة المصرية لا تلزم النساء لأنها باختصار تعيد تعبئة نشاط المجلس القومى فى هياكل جديدة بمهارة أقل، وعدم اقتناع بفكرة المساواة، وتحت شعار الخصوصية الذى بموجبه تنتهك حريات وحقوق لا أبسط منها ولا أوجب.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة