دلالات عرض الكونغو الديمقراطية على واشنطن صفقة استغلال المعادن - قضايا إستراتيجية - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 12:56 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

دلالات عرض الكونغو الديمقراطية على واشنطن صفقة استغلال المعادن

نشر فى : الجمعة 4 أبريل 2025 - 6:35 م | آخر تحديث : الجمعة 4 أبريل 2025 - 6:35 م

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، فى 9 مارس 2025، انفتاح الولايات المتحدة على الشراكة مع الكونغو الديمقراطية فى قطاع التعدين الحيوى؛ وذلك فى إطار نهج جديد للسياسة الخارجية الأمريكية فى عهد الرئيس دونالد ترامب، يقوم بالأساس على تأمين الوصول العالمى إلى الموارد والثروات الطبيعية، بما يشمل الاتفاق المزمع مع حكومة الكونغو الديمقراطية كجزء من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه أفريقيا.
فقد أشارت بعض الصحف الأمريكية، فى فبراير الماضى، إلى إجراء محادثات أولية بين حكومتى الكونغو الديمقراطية والولايات المتحدة حول احتمال إبرام صفقة أمنية، تقترح فيها كينشاسا على إدارة ترامب الوصول إلى مواقع المعادن فى شرق الكونغو، والسماح لها بالسيطرة على أحد الموانئ البحرية فى المياه الإقليمية لعمليات التخزين والتصدير إلى الخارج. وفى المقابل، تقوم القوات الأمريكية بتدريب وتجهيز قوات الجيش الكونغولى على حماية طرق الإمداد بالمعادن من الحركات المسلحة المتمردة المدعومة إقليميًا.
وإذ تبدو الصفقة المحتملة فى مجملها اقتصادية وأمنية، إلا أن ذلك لا يُخفِى الأبعاد الجيوسياسية الأخرى التى تعكسها هذه الخطوة من جانب حكومة كينشاسا، خاصةً أنها تتجاوز العلاقات الثنائية بين واشنطن وكينشاسا إلى تسليط الضوء على حجم التعقيدات الإقليمية والدولية فى منطقة البحيرات العظمى؛ حيث ترتبط بشكل مباشر بمستقبل النزاع القائم بين رواندا والكونغو خلال الفترة المقبلة، كما أنها تفتح المجال لأن تصبح الكونغو ساحة جديدة للتنافس الأمريكى الصينى، إضافةً إلى التدافع الدولى، لا سيما الأمريكى، نحو التأثير فى المعادلة الأمنية الإقليمية فى منطقة البحيرات العظمى، لا سيما فى ظل تصاعد التوترات والصراعات فى شرق الكونغو، وهو ما يكشف عن حجم التنافس الدولى بين القوى الكبرى الفاعلة على الموارد والثروات الإفريقية.
• • •
تبدو هذه الخطوة كاشفة للعديد من الدلالات التى تعكس طبيعة التفاعلات فى المشهد الكونغولى على المستويَين الإقليمى والدولى. ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك الدلالات على النحو التالى:
• الأهمية الاستراتيجية للكونغو الديمقراطية فى مجال المعادن: حيث تمتلك احتياطيات هائلة من المعادن الحيوية التى يقارب عددها 50 معدنًا؛ فهى تنتج ما يزيد عن 70% من الكوبالت العالمى، وهو عنصر أساسى فى إنتاج بطاريات الليثيوم التى تشغل أجهزة الحاسب الآلى والهواتف والسيارات الكهربائية والمحركات النفاثة والتوربينات. وتشير تقارير إلى أن كينشاسا لديها ما قيمته 24 تريليون دولار من الموارد المعدنية غير المستغلة، ومن أبرزها التنتالوم الذى يُستخدَم فى المكثفات وأشباه الموصلات، والقصدير الذى يُستخدَم فى المواد الكيميائية والطاقة، إضافةً إلى اليورانيوم والألماس والذهب والزنك والنحاس والذهب والمنجنيز وغيرها؛ الأمر الذى يجعلها محط أنظار القوى الدولية الفاعلة والرامية إلى تعزيز نفوذها فى الساحة الإفريقية.
• استدعاء الدعم الأمريكى فى مواجهة التمرد والإرهاب: يكشف اقتراح الرئيس تشيسيكيدى بشأن الصفقة مع الولايات المتحدة (المعادن مقابل الأمن) إخفاق الجيش الكونغولى فى احتواء مخاطر وتهديدات حركة 23 مارس المتمردة المدعومة من رواندا، بجانب تصاعد نشاط بعض التنظيمات الإرهابية، لا سيما تنظيم القوات الديمقراطية المتحالفة الموالى لتنظيم داعش فى وسط إفريقيا، الذى يتورط فى تنفيذ العديد من الهجمات الإرهابية فى شرق الكونغو.
• الضغط على رواندا للتراجع عن دعم التمرد: يرغب الرئيس تشيسيكيدى فى استدعاء واشنطن للانخراط فى أزمة بلاده من أجل ممارسة المزيد من الضغوط على رواندا لرفع يدها عن دعم حركة 23 مارس المتمردة فى شرق الكونغو، التى يتصاعد نشاطها خلال السنوات الأخيرة، بما يشمل استيلاءها مؤخرًا على مدينتين رئيسيتين هما بيكافو وجوما فى المنطقة. وقد اتخذت الإدارة الأمريكية خطوات مبكرة فى هذا الصدد، بعدما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات جديدة على وزير الدولة الرواندى للتكامل الإقليمى جيمس كاباريبى، وكذلك المتحدث باسم حركة 23 مارس لورنس كانيوكا؛ وذلك بسبب دعمهما التمرد والإرهاب فى شرق الكونغو.
• مساعى واشنطن لتأمين المعادن الحيوية فى إفريقيا: يبدو أن التوجه الأمريكى الجديد تجاه إفريقيا فى ظل إدارة ترامب يركز فى الأساس على الحصول على الموارد والثروات الإفريقية، وهو ما كشفه «مشروع 2025» الذى يعكس اهتمام فريق الرئيس ترامب خلال حملته الانتخابية بأهمية الاستحواذ على الموارد الطبيعية التى تتمتع بها الدول الإفريقية؛ فقد جعل ترامب وصول الشركات الأمريكية إلى الموارد الطبيعية حجر الزاوية فى السياسة الخارجية الأمريكية، وربط الحصول على الأمن بالاستيلاء على المعادن الحيوية حول العالم، وهو ما تجلَّى فى محادثات واشنطن مع أوكرانيا للحصول على 50% من المعادن الأوكرانية النادرة مقابل استمرار المساعدات الأمريكية لكييف فى مواجهاتها العسكرية ضد روسيا.
• استهداف واشنطن مواجهة النفوذ الصينى فى كينشاسا: هناك مساعٍ أمريكية منذ صعود ترامب إلى كسر قبضة الصين على الموارد المعدنية الإفريقية. وقد يتيح الاتفاق المحتمل فرصة لواشنطن لمواجهة الوجود الصينى الراسخ فى قطاع التعدين بالكونغو، وتقليل اعتمادها عليها بصفتها أكبر مكرر للمعادن الأساسية فى العالم، لا سيما أن الشركات الصينية مهيمنة على عمليات التعدين باستحواذها على حصص كبيرة فى إنتاج النحاس والكوبالت الكونغوليَّين.
ويتماهى هذا التوجه الأمريكى مع مساعى الحكومة الكونغولية التى ترى أن الشراكة مع الولايات المتحدة استراتيجية فعالة لتنويع وجهات صادراتها، وتخفيف حدة النفوذ الصينى على قطاع المعادن فى البلاد.
• • •
يحمل مقترح الرئيس تشيسيكيدى للولايات المتحدة العديد من التداعيات المحتملة على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية. ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك التداعيات على النحو التالى:
• احتمالية تزايد الاحتجاجات الداخلية فى الكونغو: من المحتمل أن تستغل المعارضة السياسية فى الكونغو توجه حكومة تشيسيكيدى نحو التفريط فى المعادن الحيوية التى تتمتع بها البلاد لصالح الولايات المتحدة فى مقابل مساعدتها على التخلص من التمرد فى شرق الكونغو؛ وذلك من خلال الدعوة إلى تظاهرات حاشدة ورافضة لقرار تشيسيكيدى، وإجباره على التراجع عن مقترحه قبل أن يتحول إلى اتفاق رسمى مع واشنطن.
• تزايد الأهمية الاستراتيجية لمشروع ممر لوبيتو: إذا أبرمت واشنطن هذه الصفقة، فمن المتوقع أن يتزايد النفوذ الأمريكى فيما يتعلق بالاستيلاء على المعادن الحيوية فى المنطقة، خاصةً أن الوجود الأمريكى قد يسهم فى الإسراع بإتمام مشروع ممر لوبيتو الذى تموله واشنطن ليربط بين مناجم زامبيا وجنوب شرق الكونغو مع ميناء لوبيتو فى أنجولا، ومنه إلى المياه الدافئة، وهو ما قد يعزز الإمدادات الأمريكية لسلاسل توريد المعادن، فى الوقت الذى قد توجه فيه واشنطن ضربة قوية للنفوذ الصينى المتصاعد فى المنطقة.
• تنامى الاهتمام الأمريكى بالبحيرات العظمى: يبدو أن هذه المنطقة ستصبح ساحة جديدة للتنافس الدولى فى ضوء سباق القوى الفاعلة على الموارد والمعادن الحيوية اللازمة لتعزيز صناعاتهم التكنولوجية المتقدمة. وتسعى واشنطن إلى تعزيز حضورها فى المنطقة، مستغلةً مطالبات حكومة الكونغو للانخراط فى الأزمة.
وإجمالاً، يبدو أن الرئيس تشيسيكيدى بصدد توريط بلاده لتصبح ساحةً للتنافس الدولى، وخاصةً التنافس الأمريكى الصينى على الموارد والمعادن الحيوية فى البلاد، وربما يتسع المجال لدخول أكثر من قوة دولية مثل روسيا وتركيا وغيرهما، وهو ما يرسخ الهيمنة الأجنبية على الموارد الإفريقية، وربما يؤدى فى النهاية إلى إخفاق تشيسيكيدى فى تحقيق أهدافه المتمثلة فى إنهاء التمرد فى شرق البلاد، والفشل فى إجبار رواندا على سحب دعمها لحركة 23 مارس والتراجع عن نهب معادن الكونغو، خاصةً أنه من المستبعَد أن توافق واشنطن، إذا أبرمت الصفقة مع حكومة كينشاسا، على نشر قوات أمريكية برية فى شرق الكونغو، غير أنه ربما توفر للحكومة الكونغولية الدعم اللوجستى لتعزيز قدراتها جيشها فى مواجهة المتمردين.
لكن يظل المستفيد الوحيد هو الرئيس ترامب المعروف بأنه رجل الصفقات، خاصةً أنها المرة الأولى التى يعرض عليه رئيس دولة هذه الصفقة، فى الوقت الذى يجد فيه صعوبة فى تمرير الصفقة نفسها مع أوكرانيا على سبيل المثال، وهو ما يعزز التوقعات بأن تصبح إفريقيا هى الملعب الاستراتيجى القادم لترامب لحسم العديد من الصفقات التبادلية مع الدول الإفريقية. وربما يدفع ذلك نحو ميلاد مرحلة جديدة من النفوذ الأمريكى فى الساحة الإفريقية خلال السنوات الأربع المقبلة على الأقل.
أحمد عسكر
موقع إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/cd8j7zj6

التعليقات