نشرت صحيفة الخليج الإماراتية مقالا للكاتب حسن مدن، تناول فيه الفرق بين العلم والفلسفة، وكيف يتحدد دور كل منهما فى فهمنا للعالم... نعرض من المقال ما يلى:
التقسيم الذى يمكن وصفه بالمعرفى، بين ما نعلم وما لا نعلم، عائد إلى الفيلسوف البريطانى برتراند راسل. هو من قال به، وربما ما كان سيقوله، لولا أن أحد محاوريه، هو المعلق التلفزيونى ودرو وات، الذى أجرى لقاء مصورا مع راسل، بثّه التلفزيون البريطانى على أربع حلقات فى عام 1959، استدرجه لذلك. السؤال الذكى يُمهّد للجواب الذكى، أو هكذا يفترض. ويسّرت لنا الاطلاع على الحوار ترجمة له إلى العربية وضعها جلال العشرى، وصدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب فى مصر عام 1979، بعنوان: «محاورات برتراند راسل».
فى بداية الحوار، سأل ودرو وات، راسل عن الفرق بين العلم والفلسفة من وجهة نظره، فكان ردّ راسل: «نستطيع أن نقول بوجه عام، إن العلم هو ما نعلم. أما الفلسفة فهى ما لا نعلم»، قبل أن يضيف: «هذا تعريف بسيط من شأنه أن يجعل التساؤلات تظلّ قائمة باستمرار، باعتبارها معرفة متقدّمة تمرّ من الفلسفة إلى العلم».
ينبنى على هذا التعريف استنتاج حمل المحاور على أن يسأل راسل عنه، حين خاطبه بالقول: «يترتب على هذا أنه ما إن يتمّ اكتشاف شىء واستقراره، حتى يكفّ أن يكون فلسفة، ليصبح علما؟». وافقه راسل على ذلك، بالقول: «نعم، وكل أنواع التساؤلات التى اعتدنا تعريفها بالفلسفة، لن تبقى طويلاً تحت طائلة هذا التعريف».
«إذن ما جدوى الفلسفة؟»، سأل ودرو وات مشككا، فأتاه ردّ راسل محددا للفلسفة فائدتين حقيقيتين، الأولى أنها تضمن الحفاظ على التأمل فى الأشياء التى لا تزال قابلة، لأن تصبح علما، كون المعرفة العلمية لا تزال تغطى جانبا ضئيلاً من الأشياء التى تهمّ الجنس البشرى، والتى ينبغى أن تحظى منه بالاهتمام، أما الفائدة الثانية للفلسفة فهى أنها ترينا أن ثمّة أشياء نظن أننا نعرفها، فيما نحن لا نعرف عنها شيئا، ما يجعلنا أكثر تواضعا فى تقييم درجة معرفتنا، فنحن نعرف القليل فقط مما ينبغى معرفته.
تضمنت أطاريح ماركس حول الفيلسوف الألمانى لودفيغ فويرباخ، أُطْرُوحَة تقول إن الفلاسفة اهتمّوا، حتى يومها، بتفسير العالم، وآن أوان أن يجعلوا المهمة تغييره. برتراند راسل يقرّ بأن ماركس كان فيلسوفا، ولكنه، على خلافه، رأى أن مهمة الفيلسوف ليست تغيير العالم، وإنما محاولة فهمه، رافضا حتى فكرة تفسيره، ومع ذلك لم يقطع فى الرأى بأن الفلسفة مجرد خادم للعلم، فحتى لو قامت بمثل هذه المهمة، تظلّ أكبر من ذلك، فهناك من الموضوعات ما لا يدخل فى نطاق العلم، مثل جميع الموضوعات المتعلقة بالقيم.
العلم لا يقول لك ما هو الخير وما هو الشر، الفلسفة هى من يفعل ذلك.