مع التقدم المذهل فى وسائل التكنولوجيا الحديثة تزداد مساحة العالم التخيلى اتساعا ويكتسب أرضا جديدة فى مجال بعد الآخر. مبررات الدخول إلى هذا العالم كثيرة، منها خفض التكلفة وتقليل درجة المخاطرة، وهذا على سبيل المثال هو المنطق الذى تستند عليه كل تجارب القيادة التخيلية والطيران التخيلى، تلك التجارب التى كان من ثمارها تطورات بحجم أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 حيث تدرب المنفذون فى هذا العالم المفترض.
كذلك فإن العالم التخيلى يسمح بدرجة عالية من المتعة والإثارة يقبل عليها الجيل الجديد الذى يتمرس على قائمة طويلة من الألعاب من نوع الـ wiiوالـplay station فيغامر بها ومعها ويرتاد من خلالها فضاءات رحبة تعوضه عن ضيق الأوطان وقيودها. والعالم التخيلى يجمع أناسا من كل القارات فيلتقون ويتفاعلون ويعقدون الصفقات وهم فى بلدانهم لم يبارحوها ولا تصافحت أياديهم من قبل.
والعالم التخيلى يمتد أيضا إلى مجال السياسة حيث يظهر فاعلون يصوتون عبر الإنترنت يحركون الجماهير ويملأون الدنيا ويشغلون الناس لكنهم بالنسبة للممسكين بالسلطة كأنهم لا وجود لهم. وهذا هو المعنى الذى عَبّر عنه الدكتور محمد البرادعى عندما وصف وضعه بالنسبة للنظام السياسى المصرى بأنه وضع تخيلى، أى كأن لم يكن.
مَلَكت على كيانى فكرة هذا العالم التخيلى، أو الخائلى كما يحلو للبعض أن يسميه، وأنا أتأمل مليا فيما آل إليه حال إعداد بعض الرسائل العلمية ومناقشتها فى عددٍ من الكليات والجامعات المصرية. دققت فى الأمر من واقع تجربة عمرها يمتد إلى عقود ثلاثة فوجدت أن بعض أطراف هذه الظاهرة باتوا يلعبون أدوارا تخيلية يكون نتاجها الملموس عبارة عن رسالة ماجستير هنا أو رسالة دكتوراه هناك.
أول أطراف هذه الظاهرة هو الطالب نفسه الذى يفترض أنه يعد أطروحة علمية حول موضوع يشغله أو يكون موضع اهتمام عام، لكنه من الناحية الفعلية لا يؤدى هذا الدور بل يتخيل أنه يؤديه.
هو لا يؤديه عندما يختار موضوعا يقل فيه إسهامه بسبب التداخل مع موضوعات أخرى مشابهة، فقط يغير المدة الزمنية فيمدها عاما أو عامين، أو يغير المنهج أو زاوية النظر فيُنسب العمل له وهو ليس كذلك. وهو لا يؤدى دوره لأنه يعتمد فى مادته العلمية على ما تنشره المواقع الإلكترونية من أبحاث فيقوم بعملية قص ولصق تنتج دراسة متكاملة لكنها بلا روح ولا شخصية لأنها فى واقع الأمر تكون عبارة عن تجميع لآراء مختلفة لمؤلفين ذوى اتجاهات مختلفة، ولهذا فإن من الشائع جدا أن تجد فى الرسالة نفسها الرأى ونقيضه أما رأى صاحب الرسالة فلا. هنا أيضا ينسب العمل للباحث مع أنه فى الحقيقة لم يفعل إلا أن أعاد تركيب مفردات الدراسة كما يتم تركيب جزئيات أى لغز أو puzzle.
وفى حالات محدودة قد يكون الباحث ميسور الحال فيلجأ للاستعانة «بصديق» ويعهد إليه بمهمة إعداد الدراسة فيكون هذا الأخير هو الجندى المجهول الذى قد تراه فى قاعة المناقشة جالسا فى الصفوف الخلفية، لكن الشكر لا يوجه إليه فى متن الرسالة ولا تشمله عبارات الإهداء ولا يظهر فى أى كادر مع الطالب ومعارفه.
الطرف الثانى هو الأستاذ نفسه الذى يختاره الطالب عادة لأسباب أبرزها تخصصه فى الموضوع وسمعته العلمية الرفيعة. مثل هذه الفئة من الأساتذة تتشعب ارتباطاتها داخل الحقل الأكاديمى وخارجه فيضيق وقتها عادة عن مهمة الإشراف ثقيلة العبء ضعيفة المردود. ومع ذلك فإن الموضوع قد يغرى الأستاذ كما قد يغريه الوضع الاجتماعى وربما السياسى للطالب نفسه فيقبل الإشراف ويلتحق بالعالم التخيلى. وفى هذه الحالة قد يعهد الأستاذ إلى معيد أو مدرس مساعد بقراءة أطروحة الطالب إما فى صورتها الأولية التى تحتاج جهدا كبيرا لتنقيحها، وإما فى نسخها المتتالية. من جانبه يقوم المعيد بإعداد تقرير مفصل عن الرسالة ويرفعه إلى الأستاذ الذى يتبناه مع بعض إضافات ويُكَون رأيا فى العمل بالسلب أو الإيجاب. وكما كان البحث تخيليا يكون الإشراف على الطالب من النوع نفسه أى تخيلى.
الطرف الثالث والأخير يمثله الحضور الذى يأتى لمشاركة الطالب فرحته فى يوم المناقشة. من المعلوم أن لجنة المناقشة لا تنعقد إلا فى حال الإقرار بصلاحية الرسالة، وهذا يعنى أنه عندما يأتى الأهل والرفاق إلى القاعة فإنهم يكونون مطمئنين فى الحد الأدنى على إجازة رسالة الطالب. لكن واقع الأمر فإنهم لا ينتظرون هذا الحد الأدنى فسلال الورود المنتشرة فى الأرجاء، وكاميرات التصوير والفيديو التى تسجل سكنات الطالب وأعضاء لجنة المناقشة، وعلب الحلوى والعصائر وفى بعض الأحيان الموائد الممتدة خارج القاعة، جميعها مظاهر تستبق النتيجة وتراهن بما يشبه اليقين على الحد الأعلى.
كثير من مداولات لجان المناقشة تشهد جدلا بين أطراف اللجنة عادة ما ينتهى إلى منح التقدير الأفضل. تسود اعتبارات المجاملة، والربط بين تقدير الرسالة وسمعة الأستاذ المشرف وأحيانا أهمية الموضوع أو الجهد المبذول من الطالب فتكون النتيجة هى امتياز أو مرتبة الشرف الأولى.
يتعانق الحضور فى حرارة، وتلمع الدموع فى المآقى، وتبرق فلاشات الكاميرات، وتنتاب الجميع مفاجأة تخيلية وإن تكن النتيجة تسربت مسبقا من الكنترول! بعد شهور تخلو درجة جامعية أو درجة حكومية فيعين فيها صاحب الرسالة ويتخيل أنه يقوم بدور معتبر فى إعداد النشء أو خدمة المواطنين وهو فعليا لا يقوم، وهكذا دواليك.
فى مقدمة بعض الأفلام السينمائية نصادف العبارة التالية «أحداث هذا الفيلم من صنع خيال المؤلف، وكل تشابه فى الأسماء والوقائع هو من قبيل المصادفة البحتة»، وأنا بدورى أقتبس هذه العبارة وأقول إن المقال بأحداثه وأشخاصه محض افتراض أعتذر مسبقا إن كان فيه ما يشبه الواقع أو يماثله.