لو أن أحدا قال لى قبل مباراة مصر وغانا إننى سأجلس مثلما جلس ملايين المصريين أمام شاشة التلفزيون لأتابع أحداث المباراة، لظننته يمزح. فالمباراة الوحيدة التى شاهدتها من ألفها إلى يائها كانت وعمرى سبع سنوات بين فريقى الأهلى والزمالك عندما نجحت أسرتى فى اقتناص خمس تذاكر فى مدرجات الدرجة الأولى. ولمَا لم يكن هناك أحد فى المنزل للعناية بأمرى، فقد ذهبت مع الأسرة ذهاب المضطر.
قبل أن ينتهى الشوط الأول كان إحساس فظيع بالملل قد تملكنى وأنا أتابع الكرة تتقاذفها الأقدام وأسائل نفسى: وماذا بعد؟ قررت فجأة أن أحتج فانتصبت واقفة وقلت: عاوزة أروح! نهرنى والدى بنظرة مؤكدا أنه لا مرواح إلا بعد نهاية المباراة، والأرجح أنه تمتم فى داخله مندهشا من بطر الإنسان الذى لا يعجبه العجب ولا الصيام فى رجب.
من يومها لم أكرر التجربة ولا شاهدت مباراة قط. يلعب الأهلى والزمالك فى الدورى أو الكأس، تصعد مصر إلى نهائيات أفريقيا أو حتى تصل إلى نهائيات كأس العالم، ولا أجد متعة حقيقية فى مشاهدة أىٍ من تلك المباريات. ومع ذلك أستطيع أن أزعم أننى لست أقل وطنية ممن هتف ورقص لأن مصر أحرزت هدفا، ولا أنا أقل نخوة ممن دخن سيجارة تلو أخرى أو أصيب بارتفاع فى ضغط الدم والعياذُ بالله لأن مصر ضاع منها هدف.
أكثر من ذلك كُنت ومازلتُ أعتبر أن لعب الكرة مهنة كعشرات المهن الأخرى لها معايير للنجاح وأخرى للفشل، وأستغرب من أن يكون معيار النجاح فى كرة القدم هو إحراز أهداف فى مرمى الفريق الآخر ومع ذلك يتعانق اللاعبون بعد كل هدف، بينما لا يتعانق مثلا كونسولتو الأطباء عند إنقاذ مريض، ولا طاقم الطائرة عند وصول الرحلة بسلام، ولا هيئة الدفاع عند تبرئة متهم، فهل يعنى هذا أن حياة الإنسان أو أمنه أو حريته أبخس قيمة من كأس؟
طوال كل هذا العُمر كانت أوقات المباريات الفاصلة فرصة مثالية لقضاء بعض حوائجى المؤجلة، فالطريق مفتوحة أمامى وليس أجمل من السير فى قاهرة هادئة.لكن المؤكد أن تغيرا ما فى الأربع أو الخمس سنوات الماضية طرأ على سلوك المواطن المصرى وزاد من منسوب اهتمامه بالكرة بشكل لافت. إقبال أكثر على قراءة الصفحات الرياضية وبالأحرى الكروية فى جميع الصحف اليومية والأسبوعية، كثافة فى مشاهدة البرامج التلفزيونية على القنوات الأرضية وفى مختلف الفضائيات،حضور ملحوظ للجنس الناعم فى المباريات التى تجرى فى استاد القاهرة وأحيانا فى ملاعب خارج مصر.
هذه المؤشرات لا أملك أى إحصائيات للتدليل عليها، لكن ثمة ما يؤكد صحتها. فلولا أن هناك قارئا يبحث عن أخبار الكرة ما زحفت صفحات الرياضة على باقى صفحات الجرائد، ولولا أن هناك مشاهدا ينتظر هذا المقدم الكروى أو ذاك ما زادت القنوات الفضائية المصرية المتخصصة من قناة إلى قناتين، ولا انتشرت البرامج الكروية كل هذا الانتشار، بعد أن عشنا حتى مطلع السبعينيات على برنامج إذاعى رئيسى فيما أذكر كان يقدمه فهمى عُمر بعد نشرة أخبار السابعة ويحلل فيه مباريات الدورى العام. من أجل ذلك عندما يقول لى أحد إن الإعلام يخلق اهتمام الناس بالكرة أقول نعم، لكن أيضا الناس يفرضون أذواقهم على الإعلام، فالإعلام يُنتج ليبيع لا لتبور بضاعته.
ولعل ما هو أكثر دلالة من زيادة منسوب الاهتمام العام بالرياضة تغير شكل هذا الاهتمام نفسه. كتبتُ من قبل عن ظاهرة انتشار الأعلام ومازالت هذه الظاهرة تحيرنى،فمع أننا نشكو من ضعف الانتماء للدولة ومن هجرة خيرة أبنائنا إلى الخارج فإن الإعلام أكثر انتشارا من أى وقت مضى وربما أكثر من أى دولة أخرى فى العالم.
ولعل من المشاهد اللافتة للانتباه مشهد العديد من المواطنين البسطاء الذين ينحشرون مع أعلامهم فى أتوبيسات تنقلهم إلى عشوائيات يغيب عنها كل شىء إلا الرغبة فى مواصلة الحياة، فقل لى بربك ماذا يعنى الانتماء لأناس يعيشون كالغرباء فى وطنهم؟ أفهم أن تعبر هذه الفئة المطحونة عن الانتماء «ضد الدولة» (أ) أو (ب) التى تلاعبها مصر وتحشد المشاعر ضدها، لكنى أشك كثيرا فى أن يكون هذا الانتماء موجها إلى مصر نفسها أو إن شئت القول فهو نوع من الانتماء السلبى وليس الايجابى لمصر..
وإلا فكيف يستقيم هذا «الانتماء» لمصر مع مظاهر التعبير العنيف عن الفرح كإطلاق النار من علب البيرسول إلى عنان السماء ثم نقل هذه العادة المصرية القبيحة إلى كل الدول العربية بلا استثناء، أو كالتحرش بالفتيات اللائى ينزلن للاحتفال أسوة بالشباب،أو كفرض الإقامة الجبرية على ملايين المصريين باحتلال شوارع مصر من أقصاها إلى أقصاها حتى ساعات الفجر الأولى؟.. كم هو مؤلم أن يُمارس العنف والغوغائية باسم العلم وتحت رايته.
أما وهذا هو السياق العام ،فقد جلست مع الكل أتابع أحداث المباراة بين مصر وغانا بعد أن صار البيت والشارع والحى والوطن شاشة كبيرة يجرى فيها زيدان وأحمد حسن، فلا تملك أن تدير بصرك لا عنها ولا عنهم.
ولأننى لا أفهم أبجديات الكرة فقد كنت أقطع على أفراد أسرتى متعة المشاهدة بين حين وآخر أسأل سؤالا بديهيا عن الفارق بين الضربة الركنية وضربة الجزاء، وأقرأ مثلهم الآية التاسعة من سورة يس التى تقول: «وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون» عندما يقترب أحد مهاجمينا من تسديد هدف فى مرمى غانا فلا يلحظه حارس المرمى، وأطير فرحا فى الهواء كما طاروا عندما يسجل جدو هدف الفوز لمصر وأسأل نفسى وأنا فى المسافة الفاصلة بين السماء والأرض: هل أنا مازلت أنا؟.