الذين يعتبرون نزاهة العملية الإنتخابية حصرا هى مصدر الشرعية السياسية وبالتالى تُوجب طاعة الرئيس المنتخب انتظارا لانتخابات جديدة، هؤلاء إنما يغفلون عامدين معيارين آخرين يعصف بالشرعية غياب أحدهما أو كليهما. المعيار الأول هو ضوابط الترشح للرئاسة والتى يتعين أن تكون مجردة لا تُفصل على مقاس شخص أو حزب، ولا تميز بين المواطنين، وتسمح بتداول السلطة. والمعيار الثانى هو احترام الرئيس المنتخب بنود العقد الاجتماعى الذى انتُخب على أساسه. ولكى نتبين حجم الضرر الذى يلحق بالشرعية رغم نزاهة العملية الإنتخابية، نتخيل أن شخصا تم انتخابه فى ظل نص دستورى يحرم فئات معينة من الترشح بسبب الجنس أو الدين أو المذهب، هنا تتوفر للانتخابات شرعية زائفة لأنها وإن تمت وفق مقتضى الدستور إلا أن الدستور نفسه يميز بين المواطنين. أو لنفترض أن ضوابط الترشح تميزت بالموضوعية وأن الاقتراع تم دون خروقات، لكن الرئيس المنتخب ما إن تسلم السلطة حتى انقلب على وعوده لناخبيه، هنا أيضا تكون الشرعية المنبثقة عن الانتخابات زائفة لأن الجالس فى السلطة فقد صلته بالناخبين، والقاعدة القانونية تقول إن العقد شريعة المتعاقدين.
●●●
تقدم لنا الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التى شهدتها زيمبابوى فى 31 يوليو الماضى نموذجا ممتازا لما أُطلق عليه الشرعية الزائفة. اخترت هذا النموذج أولا لدلالته البالغة، وثانيا لقرب المدى الزمنى بين انتخابات زيمبابوى وبين خلع محمد مرسى فى 3 يوليو، وثالثا لأن موقف الاتحاد الأفريقى من تطورات مصر كان شديد الاختلاف عنه من انتخابات زيمبابوي، وهو ما يؤشر إلى النتائج الكارثية التى يمكن أن تؤدى إليها القراءة السطحية للأحداث السياسية فى البلدين سواء بحسن نية أو لا. انتُخب الزعيم الأفريقى المخضرم روبرت موجابى، البالغ من العمر تسعة وثمانين عاما، لفترة رئاسية سابعة فى انتخابات 2013 التى حصل فيها على نحو 61% من الأصوات مقابل 34% من الأصوات ذهبت لمنافسه العتيد مورجان تشانجيراى، كما حصل حزب زانو الذى يتزعمه موجابى على ثلثى مقاعد البرلمان وبذلك أحكم موجابى وحزبه قبضتيهما على السلطتين التنفيذية والتشريعية.
استند موجابى فى الترشح لفترة رئاسية سابعة لنص فى الدستور الجديد (مارس 2013) يقيد فترة الرئاسة باثنتين فقط كل منهما خمس سنوات، لكن النص لا يسرى بأثر رجعى ما سمح لموجابى بتصفير عداد رئاسته رغم أنه حكم بلاده ثلاثة وثلاثين عاما بالتمام والكمال. وهكذا فمن الناحية الدستورية يحظى ترشح موجابى بالشرعية، لكن بمقياس الديمقراطية فإن هذه الشرعية زائفة، فأحد أبسط تعريفات الديمقراطية ذلك التعريف الذى قدمه سعد الدين إبراهيم حين قال « الديمقراطية هى تغيير الأطقم الحاكمة «. أكثر من ذلك فإن تمتع حزب زانو بثلثى مقاعد البرلمان يعطيه الحق فى تعديل الدستور وإطلاق مدد الترشح للرئاسة دون قيود. وهكذا فإن موجابى الذى وصل للسلطة وفق دستور معين يمكنه الاستمرار فى الحكم بعد الانقلاب على الدستور مستغلا أدوات الديمقراطية!.
●●●
ولأن الأمور تؤخذ بظواهرها والكتب تُقرأ من عناوينها وصفت بعثة الاتحاد الأفريقى انتخابات زيمبابوى بأنها « حرة وذات مصداقية «، لكن فى حالة زيمبابوى هل قُرأ الكتاب من عنوانه؟ بمعنى هل كانت انتخابات زيمبابوى نزيهة فعلا حتى يمكن وصف الرئاسة المنبثقة عنها بالشرعية؟... الإجابة هى لا كبيرة، فثمة شواهد عديدة على أن ما لا يقل عن مليون مواطن مُنعوا من التصويت، وعن خروقات أمنية واسعة، وعن تمييز ملحوظ فى التغطية الإعلامية لحملة موجابى مقارنة بمنافسه. تلك الشواهد حملت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى على وصف انتخابات 2013 بأنها لا تتمتع بالمصداقية ولا « تعبر عن إرادة شعب زيمبابوى «. صحيح أن هناك مجموعة مركبة من المشاكل الداخلية والخارجية تعترى علاقة موجابى بالدول الغربية مما يوجد مبررا جاهزا للتحامل عليه، لكن صحيح أيضا أن ملف موجابى فيما يخص الديمقراطية وحقوق الإنسان بالغ السوء، ولنذكر أن الحدث الذى فجر أزمة فى العلاقة مع الغرب كان رفض موجابى التصريح لمراقبين دوليين بمراقبة انتخابات 2002 وما تلا ذلك من توقيع عقوبات عليه وعلى النخبة المقربة منه.
●●●
هكذا فإن انتخابات زيمبابوى التى توشك أن تجعل من موجابى رئيسا مدى الحياة، وهذه الانتخابات التى قيل فى خروقاتها ما قيل، وجاءت تالية على انتخابات 2008 التى هُزم فيها موجابى لكنه رفض التسليم بنتائجها، هذه الانتخابات يحتفى بها الاتحاد الأفريقى ويخلع على الفائز فيها اللقب المقدس « الرئيس الشرعى المنتخب». أما مظاهرات مصر التى خرج فيها الملايين وصوتوا مباشرة فى صندوق انتخابى كبير بحجم الوطن ضد سياسات النظام السابق، هذه المظاهرات لا ينظر لها الاتحاد الأفريقى ولا يقيم لها وزنا لأنها لم تكن مصحوبة بلجان انتخابية. ولأن الأمر كذلك، عُلقت عضوية مصر فى مجلس السلم والأمن داخل الاتحاد الأفريقي، فهل بعد هذا التلاعب بمفهوم الشرعية السياسية من مزيد؟
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة