إن أنت ناقشت مروانَ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 1:06 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

إن أنت ناقشت مروانَ

نشر فى : الخميس 18 مارس 2010 - 10:17 ص | آخر تحديث : الخميس 18 مارس 2010 - 10:17 ص

 هى مجرد مصادفة أن أكتب هذا الأسبوع عن رسالة الدكتوراه التى أعدها القيادى الفلسطينى مروان البرغوثى، وأجيزت أمس الأول، بعد أن كتبت الأسبوع الماضى فى مناسبة ذكرى استشهاد المناضلة دلال المغربى، لكنها مصادفة تحمل رسالة تقول: إن هذا شعب وجد ليبقى.

رفض أسير الزنزانة رقم 28 فى قسم 3 بسجن هداريم الإسرائيلى، أن يتقدم لسلطات السجن بطلب دراسة الدكتوراه فى الجامعة العبرية المفتوحة بتل أبيب.أبى أن يبيض وجوه سجانيه عندما يفخرون بأنهم لا يمنعون الأسرى من الحق فى التعليم ويمهرون شهادته بتوقيعاتهم الكريهة، كان خياره أن يحصل على شهادته من معهد عروبى الاسم والتوجه: معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة.

فى عام 1999 سجل مروان أطروحته للدكتوراه عن دور المجلس التشريعى الفلسطينى فى العملية الديمقراطية تحت إشراف د.أحمد يوسف أحمد، واسم المشرف لا يقل مغزى فى أهميته عن اسم المعهد.

ما بين عام التسجيل وهذا العام جرت مياه كثيرة من تحت الجسور، هل يوجد أكثر تدفقا من ماء يجرى تحت جسر مروان؟ هاهو يقترب حثيثا من عامه الحادى والخمسين ولم يترك شيئا من أساليب القمع الإسرائيلى إلا وجربه: الأسر عدة مرات، العزل الانفرادى لأربع سنوات، محاولات اغتيال عديدة، النفى خارج الوطن، التعقب والمطاردة، وأسر ابنه الأكبر القسام.

عندما تسأل مروان عن معاناته كإنسان سيداريها عنك ويقول إن هذا شعب عظيم يستحق أن نموت من أجله ألف مرة.

ولعلك تقدر أن واحدة من تلك المرات كانت عندما جمعته بابنه القسام زنزانة واحدة فى آخر أربعة أشهر من الشهور الأربعين لأسر الابن. كان هذا هو طلب القسام، أما مروان نفسه فالأرجح أن مشاعر متضاربة تملكته، فرحته بلقيا الابن البكر بعد طول غياب، إشفاقه عليه من أن يدفع ضريبة نضاله هو فيفترش «بورش» الزنزانة الرطبة لا لشىء إلا لأنه ابنه، خجله من أن يضبطه الابن فى لحظة ضعف وهو الذى يفترض فيه أن يكون مصدرا للأمان.

النضال لا يلغى الأبوة، لا يلغيها أبدا، وإن أنت داخلك شك فلتسمعه يحكى عن ابنته ربى «أميرة قلبه»، أو عن أصغر أبنائه عرب الذى ودعه وهو فى الثانية عشرة من عمره فلم يستمتع برؤية الشعيرات الصغيرة تزحف إلى وجهه ولا ميز التغيير الذى ينتظره كل أب فى صوت ابنه، حتى إذا زاره عرب فى زنزانته بعد طول انتظار وجده قد صار رجلا.

تسلمت رسالة مروان البرغوثى وأخذت أستعد لقراءتها كعضو فى لجنة تقييمه فتملكنى إحساس غريب، غريب بالكلية. فالمؤكد أنى مثلى كمثل أى أستاذ جامعى آخر ناقشت العشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه، لكن قصة مروان تختلف لأن الشخص نفسه يختلف، وكذلك الظروف. فمروان هو تاريخ من النضال السياسى يمشى على قدمين، عضو المجلس المركزى لمنظمة التحرير، وأمين سر حركة فتح فى الضفة، ونائبها عن دائرة رام الله فى أول مجلس تشريعى فى ظل السلطة الوطنية.

هو منشئ أكبر المنظمات الجماهيرية فى الأراضى المحتلة منظمة الشبيبة الفتحاوية، والعقل المدبر للانتفاضة الأولى فى عام 1987. هو من أعلن ترشحه للرئاسة من محبسه خلفا لياسر عرفات فى عام 2005 لإثبات أن الأسرى ليسوا إرهابيين وأنهم يؤمنون بالديمقراطية، وهو صانع «وثيقة الوفاق الوطنى» عام 2006 التى عرفت باسم وثيقة الأسرى لأنها انطلقت من «الفورة» أو فناء سجن هداريم لتجميع مختلف الفصائل حول برنامج سياسى مشترك.

هو العقبة الكؤود أمام إتمام صفقة تبادل الأسرى، فإطلاقه خط أحمر بالنسبة لإسرائيل حتى وإن كان الثمن هو عدم استرداد جلعاد شاليط، وذلك حتى إشعار آخر.

مع هذا الشخص، كيف يمكن أن تناقش بل ماذا يمكن أن تناقش؟ يأتيك عادة الطالب ويدفع إليك برسالته ولا تكون لك به سابق معرفة، أو تعرفه لكن عن بعد، أما مروان فملء السمع والبصر تعرف ما يكتبه قبل أن تقرأ له، وتسكن مخيلتك صورته وهو مكبل اليدين مرفوعهما ومن خلفه المسجد الأقصى، فأسر المسجد من أسر حراسه، فأين الفكاك من صورة ذهنية طاغية؟

ثم إن الظروف تختلف، فمروان الذى اختطف من مخبئه فى أبريل 2004 حكم عليه بخمسة مؤبدات وأربعين عاما، ومؤبد إسرائيل كحدود دولتها تماما بغير تحديد، ولئن كانت بعض المصادر الصهيونية قد تشفت بعد صدور الحكم بالقول إن مروان عليه أن يقضى خمسمائة وأربعين عاما فى السجن فإن هذا يعنى أن مؤبد إسرائيل يساوى قرنا كاملا، ولم لا؟ الأرجح أن الإشارة تحيل إلى وقع سجن إسرائيل وضراوته. لم تحترم إسرائيل حصانة مروان كنائب، ومنذ متى لأى شىء لدى مسئوليها حصانته إلا أمنهم وأمن كيانهم؟.

عزلوه فى زنزانة وصفها مروان بأنها صغيرة جدا وحقيرة مليئة بالصراصير والجرذان.. بالإضافة لكاميرات مراقبة، ومساحة أقل من مترين طولا و80 عرضا وإضاءة خافتة هى للظلام أقرب.

يقودنا وصف مروان إلى تصور الواقع الذى خرجت منه أو بالأحرى سربت منه رسالته، فى البدء كان بحكم عزله الانفرادي لا يسمح له بكتاب يقرأه أو أهل يزورونه أو رفاق يلتقيهم، فكان يتلهى بعد الصراصير واللهو مع الجرذان ليخرس إحساسه القاتل بالوحشة، مؤلم جدا أن نعتاد على غير المألوف. عندما انتقل مروان إلى العزل الجماعى وآنسه فى زنزانته أسيران من قادة الفصائل تبدل الوضع إلى الأفضل، وعرفت أولى دفعات الكتب طريقها إليه.

تمرد الأسرى على قيام الصليب الأحمر بإيصال الكتب لهم، فكتب الصليب الأحمر لا تلبى رغباتهم بالضرورة، ثم وهذا هو الأهم فإن شيئا لا يسرب بين صفحاتها ولا منشورا يخرج خفية إلى الرفاق خارج السجن، فقط عندما تولت الأسر مهمة توصيل الكتب إلى الأسرى أصبح الممنوع ممكنا.

تحكى المحامية فدوى زوجة مروان وحبيبته إلى الأبد وعشيقة صباه ورفيقة دربه وساكنة عقله وقلبه ووجدانه كما يصفها فى الإهداء الذى يستهل به رسالته، تحكى كيف كانت تنسق مع عائلات الأسرى ليحمل كل منها أربعة كتب إلى مروان وهذا أقصى ما كانت تسمح به إدارة السجن. كيف كانت تشتغل بصبر على لصق الوثائق التى يطلبها زوجها بين صفحات الكتب كى لا تلفت نظر أحد، حتى إذا تهكم السجان على هؤلاء الأسرى الذين تملكهم فجأة حب القراءة تحسسوا قلوبهم، الآن أود لو أطالع وجه هذا السجان بعد أن أتم مروان رسالته.

أن يتم مروان رسالته فهذا هو الجهاد الأكبر، أما الجهاد الأصغر فهو كيف لك أن تناقش أسيرا.. من اللحظة الأولى كانت فكرة النقاش عبر الأقمار الصناعية فكرة مرفوضة فالاتصال قناة للتطبيع، وهذا لا هو من مبادئ المعهد ولا هو يتفق مع رسالة مروان. الحاجة أم الاختراع والوضع الاستثنائى يلزمه حلا استثنائيا أيضا. هدتنا فتوى قانونية إلى جواز التقييم فى غياب مروان، توجه له الملاحظات ويدونها من ينوب عنه ويحملها إليه لإجراء ما يلزم من تعديل ثم تعاد إلى اللجنة لإقرارها. ليس مطلوبا الانتظار خمسة قرون ونصف القرن حتى ينتزع هذا المناضل شهادة الدكتوراه.

تحركت العجلة، وبدأ الإعداد لاحتفالية المناقشة، الكل يريد أن يقدم يدا، الكل تملكته الحماسة حتى لكأنه يستقبل مروان، الإخوة من فلسطين يتوافدون على القاهرة، زوجته التى حملت قضيته إلى أربعين دولة لازالت تحملها، الإعلام يسعى إليك قبل أن تطلبه، بوسترات مروان تحتل حوائط قاعة المناقشة تذكرنا بأن غيابه كالحضور، من قال إنا نسينا فلسطين؟.

تختلف مع ما يطرحه مروان فى شأن إقامة الديمقراطية فى ظل الاحتلال أو تتفق، فليس هذا هو المهم، إنها وجهة نظره التى يستميت فى الدفاع عنها مؤكدا أن من حق الشعب أن يختار نوابه الذين يرعون مصالحه ويحاسبهم عند الضرورة.

قد يكون الاختيار مقيدا، والمصلحة محدودة، والحساب غير ميسور، لكن البديل هو الارتهان لمحبسى الاستبداد مع الاحتلال، وهذا شىء لا يطاق.

شخصيا أختلف مع هذا الرأى لأن الاحتلال نقيض الديمقراطية بحكم التعريف، لكن الأهم أن مروان استطاع من زنزانته أن يقلم الغطرسة الإسرائيلية فعجزت رغم كل الحصار عن منع رسالة مروان من أن ترى النور وتبعث الأمل فى نفوس أجيال شابة تبحث عن القدوة.

أحب جدا أن أعرف كيف قضى مروان ليلة تقييمه وهو فى الزنزانة رقم 28، ينتابه قلق الطالب العادى، ويتمنى أن يرد على هذا النقد الموجه إليه أو ذاك، يترقب لحظة إعلان النتيجة، وعندما تسربها له زوجته ويتبادل التهنئة الحارة مع زميليه فى الزنزانة عبدالفتاح دوله ووجيه عون، تكون مفاجأة السجان إياه قد أصبحت تامة. إليك مروان أهدى باقة زهر كما أهديتنا مشاعر عزة قد كنا بحق نحتاجها فى هذا الزمان، وأثق أن عبيرها سيأتيك حيث أنت... حتما سيأتيك.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات