فى الخطاب الذى بعث به من وُصفوا بـ«17 عالم ومفكر إيرانى» إلى الدكتور محمد مرسى لتهنئته بالذكرى الثانية للثورة، بحثت عن اسم مصر صاحبة المناسبة المحتفى بها فلم أجده مذكورا إلا أربع مرات فقط وفى ثلاث فقرات مقتضبة، وعدا ذلك فالحديث بالكامل انصب على التجربة الإيرانية باعتبارها النموذج الذى لا صلاح إلا باتباعه. الخطاب على هذا النحو يفتقر إلى أبسط قواعد الدبلوماسية، فلم نعرف من قبل أن دولة تريد تهنئة دولة أخرى بعيد وطنى أو بمناسبة خاصة بها فُتدبج قصائد مدح لنفسها فى خطاب التهنئة. وفى كل الأحوال فإن الجمهورية الإسلامية قدمت خدمة جليلة لكل من يتحفظون على التقارب المصرى الإيرانى. وقبل أن أفصل فى ملاحظاتى على الخطاب المذكور، أود توضيح أننى اعتمدت على النسخة المنشورة على موقع وكالة أنباء فارس بتاريخ 15/2/2013 وذلك سدا لذريعة نزع المعنى من سياقه.
الملاحظة الأولى هى أنه إذا كان الغرض من إرسال الخطاب هو تهنئة مصر بثورتها فقد كان من الواجب أن ينصب المضمون حول هذا المعنى، وهو ما لم يتحقق كما سلف القول. أما إذا كان الغرض هو عرض خبرات إيران فى المجال الطبى والتقنى والزراعى وفى كافة المجالات الفنية المتخصصة التى تضمنها الخطاب، فبالتأكيد لم تكن مناسبة ثورة مصر هى المحفل الأمثل لتقديم نصائح بهذا الشأن، وكان بالإمكان أن يزور مصر وفد متنوع الخبرات للتباحث فى فرص التعاون المشترك بين البلدين.
●●●
الملاحظة الأخرى أنه فى مطالعة أسماء كُتّاب الخطاب يتعذر الفصل بين ما هو فنى وماهو سياسى. وكمثال فإن الدكتور على أكبر ولايتى أحد الموقعين على الخطاب هو بالفعل طبيب أطفال مخضرم، لكنه منذ عام 1982 دخل السياسة ولم يبارحها. أولا كمساعد لوزير الصحة وهذا مجال تخصصه ثم كوزير للخارجية لمدة ستة عشر عاما شملت فترة الحرب العراقية – الإيرانية ثم محاولات إعادة بناء الدولة. ومن وزارة الخارجية انتقل ليصبح مستشار المرشد فى السياسة الخارجية، ويعرف كل الملمين بتفاصيل الأوضاع الداخلية فى إيران مبلغ قرب ولايتى من خامنئى.
وعندما أقول ولايتى تقفز إلى ذهنى على الفور التصريحات التى نقلتها عنه صحيفة كيهان فى ديسمبر الماضى وأثار فيها نقطتين. الأولى رفض مسمى « الربيع العربى « وإلصاق مصدره بالغرب، بل واعتباره « مزحة» لأنه يعنى تطبيق القومية العربية وليس الإسلام. الرجل إذن يجرد الإسلام من عروبته، ويدفع بأن ماحدث فى الدول العربية فعل ثورى إسلامى لا شأن له بالعروبة، فلماذا إذن لم تنتفض ماليزيا أو السنغال؟. وماذا عن تزعم نجاد تيار توطين الإسلام فى بلاد فارس بمعنى إضفاء طابع إيرانى خاص على تطبيقات الدين الإسلامي؟. النقطة الثانية هى وصف ولايتى فى التصريحات المذكورة نفسها معارضى الرئيس مرسى بأنهم « كانوا فى خدمة مبارك لسنوات»، ومبارك «حول مصر لعبد لإسرائيل». وتلك تشبيهات لا تختلف فى شئ عما وصف به معارضو الرئيس نجاد أمثال مير حسين موسوى ومهدى كروبى باعتبارهم جواسيس وطابور خامس. ولن نندهش إن أقدم ولايتى مستقبلا على مطالبة مرسى بحظر ترشح أفراد المعارضة فى الانتخابات البرلمانية، تماما كما تعلو أصوات عديدة بين المحافظين فى إيران لمنع كل من شارك فى الاعتراض على نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2009، منعه من الترشح للانتخابات الرئاسية الوشيكة. وظنى أن هذا المنع سوف يتم. لكل ذلك عندما يفتى ولايتى فى الطب والاقتصاد والتكنولوجيا ففتواه تأتى ذات حمولة سياسية لا يمكن تجريدها منها.
●●●
الملاحظة الثالثة أن الخطاب الذى أريد تغليفه بغلاف تقنى ينضح بالمذهبية ويروج لنموذج الممارسة السياسية القائمة على أساس ولاية الفقيه. بدأ ذلك فى الديباجة باستحضار روح الخمينى الذى وُصف بأنه «كان حكيما وعارفا وعالما فذا قل نظيره فى التاريخ»، وليكن فما شأن ذلك بمناسبة ثورتنا؟. ثم استمر الأمر فى البند الثالث بالحديث عن الولاية التى هى «لله تعالى ولرسوله ولأوليائه»، فما معنى أولياء الله مع ما له من إسقاطات فى المذهبية الشيعية؟. أما ثالثة الأثافى فتضمنها البند التاسع الذى أشار إلى نص المادتين الأولى والثانية من الدستور الإيرانى فهل ذلك إلا عبور من الفنى إلى السياسى المذهبى؟ وللعلم فإن المادة الثانية تشير إلى الإيمان بالإمامة كمقوم أساس من مقومات نظام الجمهورية الإسلامية.
●●●
الملاحظة الرابعة يضاف إلى كل ما سبق أن كثيرا مما يلمع ليس ذهبا فى التجربة التنموية الإيرانية كما صورها الخطاب، سواء فى الاقتصاد أو العلم أو السياسة. فعندما يتكلم البند 11 عن «اجتثاث الفقر من جميع المدن والأرياف» فإن هذا يصبح من قبيل التجرؤ الشديد على الواقع. لو أن إيران تعيش ظروفا طبيعية لا تعانى فيها من عقوبات جماعية وثنائية متتالية لاحتاجت الملاحظة السابقة إلى تدقيق. فما بالك وإيران تعانى الحصار الاقتصادى الذى يستهدف النفط المصدر الرئيس لدخلها القومى، ولديها مشروع نووى طموح يعيد ترتيب أولويات الموازنة، وعليها التزامات إقليمية تجاه الدول المتحالفة معها وفى طليعتها سوريا؟. إن الاضطرابات الاقتصادية تشكل ملمحا إيرانيا متكررا، وموضوع الأداء الاقتصادى لحكومة نجاد يمثل مادة مشتعلة لا تنفد للجدل البرلمانى مع المعارضة، هذا دون الحديث عن الفساد السياسى كمصدر للمشكلة الاقتصادية ولتعميق التفاوت بين الطبقات، وأشير هنا إلى نقطتين إحداهما أن إيران احتلت الموقع 133 من أصل 174 دولة فى عام 2012 على مقياس الشفافية العالمى. والأخرى أنه قبل أيام قليلة واجه نجاد رئيس مجلس الشورى على لاريجانى بوقائع فساد سياسى تورط فيها شقيقه. وعلى المستوى العلمى ذكر الخطاب أن نسبة نمو إنتاج البحث العلمى فى إيران هى الأعلى عالميا، وتلك مقولة قد تكون مضللة لأن إيران لو أنتجت 25 بحثا علميا فى عام ثم أنتجت 50 بحثا فى العام التالى لكانت نسبة نمو إنتاجها العلمى 100 %. بينما أن الصين لو أنتجت 300 بحثا فى عام و325 فى عام آخر لكانت نسبة نمو إنتاجها العلمى 8% فقط. أما على صعيد الأداء السياسى، فيكفى أنه على رأس النظام شخص يجمع بين يديه كل السلطات ولا يساءله أحد ولا مدى زمنيا لقيادته.
●●●
عندما سلط الإعلام المصرى الضوء على صلاة نجاد فى القاهرة، وانتقد علامة النصر التى رفعها فى الأزهر، وحذر من خطورة المد الشيعى بالتقارب بين مصر وإيران، طالبتُ بالكف عن تديين السياسة الخارجية لمصر وبعدم النظر لعقائد الدول ومذاهبها فى العلاقات الدولية. لكن المعاملة يجب أن تكون بالمثل، ومصر فى ثورتها الثانية ليست ساحة لكسب أنصار نظام ولاية الفقيه، فيا أيها المسئولون الإيرانيون إن كنتم تبحثون عن مستقبل أفضل للعلاقة مع مصر فما هكذا أبدا تورد الإبل.