الرسائل السياسية للأغانى العربية - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:17 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الرسائل السياسية للأغانى العربية

نشر فى : الخميس 22 مايو 2014 - 5:05 ص | آخر تحديث : الخميس 22 مايو 2014 - 5:05 ص

فى أسبوع واحد خرج علينا اثنان من كبار مطربينا العرب هما حسين الجسمى وماجدة الرومى بأغنيتين فى حب مصر. سَجّل الجسمى أغنية « بشرة خير» وسرعان ما انتشرت على نطاق واسع فور إذاعتها لسببين، الأول أنها أغنية مبهجة، والثانى أن كثيراً من المصريين وجدوا فى كلماتها ما يخصهم حتى أن المؤلف لم يفته ذكر أهلنا فى حلايب، وهذا نادر. أما أغنية « يا مساء الفل يا بهية « لماجدة الرومى فشدت بها فى حفل عام بالمقطم يوم الأحد الماضى، وفى رأيى فإن كلماتها عادية وكذلك لحنها. لكن كما هو الحال فى هذه الأيام صارت الأغنيتان جزءاً من الجدل السياسى الدائر فى مصر، ولم تعد المعايير الفنية كافية بذاتها للحكم على الأغنيتين سلباً أو إيجاباً.

•••

بما أن أغنية الجسمى هى الأكثر شهرة، وبما أن رسالتها السياسية كانت واضحة فى حث المصريين على المشاركة فى الانتخابات التى تدعو عدة تيارات لمقاطعتها، فقد جعلها هذا هدفاً للنقد السياسى بواجهة فنية. تكلم البعض عن ابتذال الكلمات وإسفافها، وأخذوا عليها «ترقيصها المصريين» فى الانتخابات التى أطلقوا عليها صفة «انتخابات الدم» مع أن هؤلاء الناقدين ما كانوا ليتورعوا عن الرقص طرباً على أنغام أغنية الجسمى لو أنه شدا بها فى مايو 2012 مثلاً، فالقضية لها علاقة بهوية الدم المسال وليس بحرمة الدم نفسه. ولم يفت هؤلاء أن الجسمى قد أبدى دعمه السابق للمشير السيسى أو فى القليل للمؤسسة العسكرية حين غنى «تسلم إيديك» ما يجعله طرفاً غير محايد حتى بمقاييس التنافس الانتخابى نفسه. أما أغنية ماجدة الرومى فمع أنها تتغنى بجمال مصر وعروبتها فى المطلق إلا أن توقيت إنشادها وارتباطه بالظرف الانتخابى له أيضا دلالته. لكن ما هو الأكثر دلالة كان التقديم الذى استهلت به الرومى وصلتها الغنائية، فقد خاطبت جمهورها بعبارات من نوع « الله معكن والجيش معكن» وأشادت بحفر القناة وتحطيم خط بارليف والخروج الكبير فى 30 يونيو، تحدثت عن شهداء الجيش والشرطة والحرية وهاجمت مدعى الديمقراطية وهم أبعد ما يكونون عنها. أثار هذا التقديم نقاشاً سياسياً حول موقف ماجدة الرومى من تطورات الساحة المصرية، فعلى حين اعتبر البعض أن ما قالته يدخل فى إطار دعم مصر فى لحظة شدِة، انتقد آخرون زجها بالسياسة فى مناسبة فنية بامتياز وتساءلوا: لماذا أغفلت ذكر ثورة 25 يناير؟ وما الداعى لوضعها «الجيش» فى جملة مفيدة؟ وهل تشمل قافلة الشهداء أولئك المدنيين الذين ماتوا موتاً مجانياً كما قالت أم أن مصطلح شهداء الحرية فضفاض يفهمه كل متلقٍ كيفما شاء؟ أسئلة كثيرة وكأن الرومى كانت مطالبة بلائحة تفسيرية لكل جملة.

•••

يفتح النقاش السابق المجال لتناول القضية الأكبر وهى علاقة الفن بالسياسة وهل يجوز للفنان أن يعبر عن مواقفه السياسية أم لا كى لا يتحول هو نفسه إلى عنصر لتعميق الخلافات السياسية بين أبناء الوطن الواحد. وفى الحقيقة فإن من يطالب بتصفية الفن من السياسة إنما يجرد الفنان من إنسانيته أولاً، ويغفل الدور السياسى شديد الأهمية للفن ثانياً. وفيما يخص الجسمى والرومى تحديداً فإنهما فى موقفيهما من مجريات الأمور فى مصر إنما يأتيان من سياقين شديدى التأثر بالواقع المصرى الحالى. ولا ننسى أن مواجهة دولة الإمارات الشقيقة لتنظيم الإخوان سابقة على 30 يونيو فكيف يفترض أن لا يدعم الجسمى الخروج ضد الإخوان فى مصر وهو يصب فى المجرى ذاته؟. وعندما تشيد ماجدة الرومى بدور الجيش المصرى فإنها تستحضر الدور الوطنى للجيش اللبنانى الذى يلوذ به كل الأطراف وتعتصم به كل الطوائف، وليست مصادفة أنه فى اللحظات التاريخية المفصلية فاز برئاسة لبنان على التوالى اثنان من قادة الجيش هما إميل لحود ثم ميشيل سليمان.

•••

من جهة أخرى فإن الفن لا يعرف الحياد السياسى، والرواية كالقصيدة كاللوحة كالمسرحية عبارة عن موقف واختيار. فلو أن الفن محايد ما قرأنا لمحمود درويش، ولا شاهدنا أعمال الرحابنة ودريد لحام، ما طالعنا واقعنا فى أعمال نجيب محفوظ وصلاح أبو سيف، ولا ألهب فن الأوبريت حماس الشعوب العربية فى ذروة معركة التحرر الوطنى على مدار الخمسينيات والستينيات. فن كالماء بلا لون أو طعم أو رائحة يُسكَب ولا يَروى، وينمحى أثره فى لحظة ميلاده نفسها. أما كون وجهة النظر السياسية لهذا الفنان تعجب فريقاً ولا تعجب آخر فذلك من طبائع الأمور لأن السياسة بطبيعتها مسألة خلافية ترتبط بها صراعات على السلطة يستفيد منها البعض ويضار البعض الآخر. إن لحظة الوفاق السياسى الشعبى المطلق هى لحظة مثالية لم تعرفها أكثر المجتمعات تماسكاً فى بنيتها الاجتماعية، والخلاف بين هذه المجتمعات هو فى طبيعة موضوعات الخلاف وأيضاً فى وسائل إدارة هذا الخلاف. أختم بعبارة وردت فى حوار ماجدة الرومى مع مجلة 7 أيام بتاريخ 20 مايو الجارى يعبر عن رؤية سياسية عميقة للخلفية التى قادت للتمرد على سلطة الإخوان فى 30 يونيو «إن الذى يريد أو يسعى لاختطاف مصر أو تغيير هويتها أو تخريبها أسهل عليه أن يحاول نقل ماء النيل بالزجاجة التى فى يده».

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات