لو أن بسمة عبدالعزيز ــ مؤلفة كتاب «إغراء السلطة المطلقة : مسار العنف فى علاقة الشرطة بالمواطن عبر التاريخ» ــ كانت فى وارد اختيار توقيت مناسب لإصدار كتابها، لما اختارت توقيتا أفضل من 27 يناير الماضى عندما باتت مصرنا الحبيبة على موعد مع التغيير. وبسمة عبدالعزيز طبيبة نفسية قضيتها هى الدفاع عن كرامة الإنسان المصرى، وتلك قضية خاسرة فى النظم الاستبدادية. بل إن بسمة نفسها دفعت غاليا ثمن تلك القضية عندما حرمتها تقارير أمن الدولة من ثمرة تفوقها فلم تٌعينَ نائبة فى كلية طب عين شمس.
ومع ذلك فالواقع أن «الجهاز» خدم بسمة من حيث أراد إيذاءها، ببساطة لأنه زاد إيمانها بعدالة قضيتها. تقدمت بسمة بأطروحتها للماجستير عن التعذيب واستلت منها جزءا بعنوان «ضد التعذيب» أصدرته فى كتاب عام 2007. وها هو إصدارها الثانى عن السلطة المطلقة التى هى مفسدة مطلقة. وفيما بين الإصدارين دافعت بسمة عن ضحايا التعذيب بالعمل فى مركز النديم ودافعت عن كرامة المرضى النفسيين كطبيبة فى مستشفى العباسية. حتى إذا صدر مطلع هذا العام حكم قضائى لصالح تعيينها فى الجامعة كان قد تولد لديها شعور بالاستغناء.
نَمرُ مع بسمة فى كتابها المدهش على علاقة الشرطة بالمواطن عبر مختلف مراحل التاريخ المصرى. يتغير مسمى هذا المرفق الأمنى من الشرطة إلى الأحداث إلى ديوان الوالى ثم إلى الشرطة مجددا، ويُستخدم بالتبادل مع مسمى «البوليس» فى أثناء الاحتلال البريطانى. يختلف نطاقه من الاقتصار على تأمين المدن حتى نهاية القرن التاسع عشر إلى شموله كل بر مصر. ينتقل العمل به من التطوع فى عهد الرومان إلى الاحتراف فى عهد الخديوى إسماعيل. يتم دمجه فى الجيش فى عصر البطالمة بحيث يُسَوى بين الخارجين على القانون وأعداء الوطن ثم يتم تصحيح الوضع لاحقا بالفصل بين جناحى الأمن. يجمع خمسون رئيس وزارة فى مصر الصلاحيات الشرطية بين أيديهم بينما يعهد واحد وعشرون آخرون بالأمن الداخلى لوزراء مختصين. يتفرع عن الشرطة جهاز أخلاقى مهمته « العسس» ليلا على الفاسدين فى عهد بعض الخلفاء الراشدين، أو يتكون جهاز سياسى وظيفته «البص» زمن العثمانيين يتطور إلى البوليس السياسى فى ظل الاحتلال البريطانى وتلغيه ثورة يوليو ليعود ويظهر تحت مسمى أمن الدولة فى عام 1968 لتحله ثورة 2011.
ما هى الرسالة التى تريد بسمة أن تبعث بها إلينا؟ الرسالة هى أنه فى الدولة القوية تنشغل الشرطة بمهمتها الأصلية التى هى تأمين المواطن، أما فى الدولة الضعيفة فعمل الشرطة هو تأمين النظام، والفارق كبير بين الاثنين، فعلى حين لا تحتاج مواجهة الانحرافات السلوكية للأفراد إلا إلى حد أدنى من العنف ينظمه القانون، فإن قمع المعارضة يحتاج إلى تشغيل آلة البطش دون رادع قانونى لأن إرادة الحاكم تغدو هى القانون.
ولكى يتضح لنا الفارق بين حدود دور الشرطة فى الحالتين السابقتين أى قوة الدولة وضعفها، تعالوا نقارن بين توسط رئيس الشرطة فى عهد الملك تحتمس الثالث بينه وبين العمال المتضررين من تأخر دفع رواتبهم، وبين انقضاض الانكشارية العثمانية أو الشرطة على محال الناس ونهبها عندما تأخرت الرواتب.
كيف نوفق بين العلاقة الطردية بين قوة الدولة وانحسار عنف الشرطة من جهة وقوة الدولة فى ظل عبدالناصر واشتغال آلة البطش السياسى من جهة أخرى؟ القياس على حالة عبدالناصر يحتاج إلى الوعى بخصوصية مرحلته وما جرى فيها من تغيير اقتضى مواجهة خصوم الثورة. ويفسر ذلك أن عنف الشرطة فى عهده انصب على المعارضين السياسيين، فيما لم ينل هذا العنف من المواطن العادى الذى استهدفه عبدالناصر بسياسة «ارفع رأسك يا أخى». التحليل السابق لا يروج قطعا لاستخدام العنف ضد المعارضة لكنه يوضح سياق المرحلة.
وفى تأمل بسمة أساليب النظم الاستبدادية تجد أنها تُظهر درجة عالية من التشابه، فانظر مثلا كيف كان العقاب الجماعى أداة الشرطة لقمع ثوار عام 1919 وكيف صار هذا العقاب أسلوبا اعتياديا فى أثناء حكم مبارك.فمع أن السياق غير السياق، والفجوة الزمنية بين الفترتين تدانى قرنا كاملا لكن مصر عانت على مدارها من احتلالين: احتلال الخارج واحتلال الداخل فتشابهت وسائل كلا الاحتلالين.
ومع ذلك فإن بداية عصر مبارك غير نهايته، وها هى بسمة تتوقف مليا أمام التطورات التى ألمت بعنف الشرطة خلال ثلاثينية حكمه، فماذا عساها قائلة ؟ هى أولا تلاحظ التطور فى عنف الشرطة من الطابع الفردى إلى الطابع المنهجى إلى الطابع العشوائى الذى يعد أخطر أنواع العنف لأنه ينفجر دون توقع ولا يمكن التنبؤ بمداه. ثم هى تلاحظ ثانيا الزيادة المضطردة فى العنف ضد المواطنين بحيث إذا قلنا إن عنف الشرطة فى عهد عبدالناصر تَوجه إلى الخصوم السياسيين وتوَجه فى عصر السادات إلى المواطن العادى بالأساس فقد جاء عصر مبارك لاسيما فى عقده الأخير ليضع الجميع فى دائرة الاستهداف. وتُلاحظ بسمة ثالثا إحاطة عمل رجل الشرطة بهالة من التقديس وجهها الآخر هو الحط الشديد من كرامة المواطن. صحيح أن الدراسة فى كلية الشرطة بحكم طبيعتها تغذى شعور الضباط بالاستعلاء لكن المراحل الأخيرة من عهد مبارك شهدت تضخيما كبيراُ لهذا الشعور حتى شاع التلذذ بإهانة المواطنين علنا لأتفه الأسباب.
من يقرأ كتاب بسمة يلحظ كيف تُسقِط باقتدار خلفيتها الدراسية على تحليلها علاقة الشرطة بالمواطن العادى، فإذا هو تحليل مركب يعكس تعدد أبعاد تلك العلاقة. فالمواطن الذى يأخذه الإشفاق على الجندى الضامر الواقف لساعات حتى يمر موكب الرئيس، هو نفسه الذى يحنق على الضابط المتعالى عندما يتعمد السير فى عكس الاتجاه. والمواطن الذى يخفى اسمه وهو ينشئ موقعا إلكترونيا معارضا حتى لا تطوله أداة العنف الجهنمية هو ذلك الذى يواجه الشرطة عارى الصدر فى الشارع عندما يسقط هيبتها. والمواطن الذى يستنكف سلوك الشرطة فى الاستعانة بمحترفى البلطجة والتحرش الجنسى قد ينزلق إلى ممارسة السلوك نفسه أو قد ينفجر بركان العنف داخله فيوجه فوهته إلى زملائه أو أسرته أو حتى ذاته. والنقطة الأخيرة كنت أحب لو أن بسمة عالجتها بتفصيل أكبر لأن عنف المواطن الذى يتولد عن عنف الشرطة لا يتوجه ضدها بالضرورة.
تختم بسمة كتابها المهم بواقعة وسؤال، الواقعة هى قتل الشاب خالد سعيد على يد رجال الشرطة فى عام 2010، والسؤال هو هل تكون حركة خالد سعيد مجرد استثناء وقتى سرعان ما ينتهى؟ ولم تكن تعلم بسمة أنه فى اليوم الذى سيرى فيه كتابها النور ستكون أحداث جسام فى انتظار مصر انطلاقا من حركة التغيير وفى اتجاه بلا رجوع يتجاوز كثيرا اغتيال خالد سعيد. إنه كتاب يستحق أن يُقرأ.