ينسحب الخريف متثاقلا ليبدأ من بعده زحف الشتاء، فإذا بهذه النبتة البهية تحيط بنا فى كل مكان. تهدئ الأعصاب المتوترة بفعل زحام الطريق فتستقر مع بائعى الورد على النواصى وفى الميادين تكاد أن تقول للمتذمرين: نحن هنا. تحتفى بالمترددين على المراكز التجارية والفنادق والمستشفيات فتكون فى استقبالهم مع أول خطوة يخطونها إلى الداخل وتواصل صحبتهم من بعد فى الأروقة. تكسر حدة القبح فى طريقة عرض البضائع بواجهات المحال المختلفة فتخطف الأبصار بلونها المبهج لا يكاد الناظرون يرون سواه.
هى نبتة من نبات الظل، أوراقها ذات لون أحمر قان تتوسد أوراقا أخرى زهية الخضرة لامعتها، تتوسطها بذور على هيئة حبيبات صغيرة تجمع بين اللونين الأصفر والأخضر، وتحملها سيقان رفيعة متداخلة تحول النبتة الرقيقة إلى ما يشبه الشجرة الوارفة. لا أعلم علم اليقين متى بدأت بنت القنصل تغزو الأسواق المصرية، لكنها من اللحظة الأولى التى دخلت فيها مصر كانت لها بصمة. نبتة ليست ككل النباتات، تورق فى منتصف شهر نوفمبر حتى إذا أطل العام الجديد ذبلت أوراقها وتساقطت تباعا كأن لم تكن.
دورة حياتها القصيرة جدا هى أحد أسرارها لكأنها تزدهر خصيصا لتكون فى شرف استقبال عام جديد، أو لكأنها تورق لتشارك الملايين حول العالم فرحة الاحتفال بذكرى مولد المسيح. ولحياة بنت القنصل معى قصة تروى، فقد حاولت يوما أن أمد فى بهجة النظر إليها مدة أطول فاشتريت شبيهة لها، نبتة مصنوعة بدقة فائقة، أوراقها لها ملمس المخمل، ولونها له الحمرة القانية نفسها. لكن ما أن انتهى شهر ديسمبر وحل أوان ذبول بنت القنصل، حتى بدا لى وجود النبتة المصنوعة الموجودة فى زاوية مكتبى وجودا مصطنعا. أدخل الغرفة كل صباح وأتطلع إلى الركن الذى تقف فيه ولا أرى أوراقا متساقطة من حولها فأتأكد أنها هى ليست هى، وفى الأخير فضلت انتظار عام كامل لأمتع نظرى بلون النبتة الطبيعية على أن أطوع النظر على التطلع إلى نبتة مصنوعة، وتخلصت منها.
لكن قصر دورة الحياة ليس هو الشىء الوحيد الذى يميز بنت القنصل، فهناك ذلك التناقض الشديد بين غناها الجمالى وبين فقر منشأها الأصلى. فلقد قرأت أن جزيرة مدغشقر هى الموطن الأصلى لهذه النبتة التى غزت العالم، ومدغشقر لمن لا يعرفها دولة شديدة الفقر يعيش نحو 90% من سكانها على أقل من دولارين يوميا، وهذا هو الحد الذى يُصنف من يصل إليه بالفقر المدقع. لكأن الله أراد أن يهب هذه الجزيرة تعويضا عن بؤسها، ولن تجد من يستوفى حظه فى الدنيا من كل شىء أبدا.
أما آخر أسرار بنت القنصل فهو ذلك السر المرتبط باسمها الذى تنسج من حوله الأساطير. تحكى إحدى هذه الأساطير أن نبتة فائقة الجمال أزهرت فى جزيرة بعيدة يسيطر عليها تنين شرس يرهب الناس ولا يقوى على منازلته أحد. سمعت ابنة أحد القناصل عن النبتة البهية وقررت أن تغامر بعمل شجاع، فسافرت إلى الجزيرة وتحدت خطر التنين واقتطفت النبتة وعادت أدراجها لتغرسها فى أرضها فتكاثرت من بعد وملأت المكان بهجة وحياة. بالطبع لم يكن أقل من إطلاق اسم بنت القنصل على هذه النبتة تكريما لشجاعة فتاة كسرت التابو وخاطرت بحياتها، أما أى جزيرة أورقت فيها النبتة وأى قنصل أقدمت ابنته على فعل مافعلت فهذا ما لم تحدثنا به الأسطورة. فى اللغة اللاتينية واقعية أكثر إذ يطلق على هذه النبتة « زهرة الكريسماس» نسبة إلى توقيت إيناعها وإثمارها مع حلول أعياد الميلاد.
ها أنت عدت يا شهر نوفمبر، وها هى بنت القنصل أو زهرة الكريسماس تطل علينا مجددا وتضخ فى شراييننا شعورا بالراحة والجمال نحتاجه بشدة كلما تطلعنا إليها. فلنملأ منها أنظارنا ونفوسنا بما يكفى لعلها تعيننا على احتمال أيام صعبة كثيرة فى غيابها.