جَذَبت رضا، عاملة النظافة بحضانة «الملائكة» باب شقتها بقوة واستعانت على الشقاء بالله وهى تبدأ يومها فى تمام الساعة السادسة صباحا . وكعادتها رجعت لتتمم على باب شقتها بعد أن نزلت درجتين من درجات السلم وشعور بالغيظ يتملكها من نفسها، ففى كل مرة توقن أنها أغلقت باب شقتها لكن ولا مرة واحدة لم تعد لتتأكد من أنها فعلت . وكعادتها أيضا لم تنس أن تتمم على ممتلكاتها لتطمئن إلى أن أصابع اللصوص الملاعين لم تمتد لأشيائها: اللمبة النيون، عداد الكهرباء، مواسير المياه . من كثرة ما تعرضت رضا للسرقة خصوصا مع غياب الأمن فكرت أن تكهرب المواسير ثم تراجعت، ليس إشفاقا على اللصوص فهؤلاء لا يستحقون منها شفقة، لكن خوفا من العقاب، وأهم من ذلك خوفا من أن تترك زوجها ماهر شريكها فى سبعة عشر عاما من العمر والمعاناة .
●●●
عندما تَذَكرت ماهر خَرجَت آهة عميقة من صدرها، شدت طرف طرحتها البنية المنسدلة حتى خاصرتها لتتقى بها نسمات الصباح الباردة، وألقت التحية على كل من صادفها فى الطريق: صبيان المقهى وصنايعية ورشة الحدادة و مؤذن المسجد وبائعة الخُضرة فالكل هنا يعرفها، واتجهت لتستقل « المشروع» ينقلها من بطن جبل المقطم إلى وش الدنيا على طريق صلاح سالم. أتاها ميسد كول من ماهر يطمئنها على أنه بدأ يستعد من النجمة لمشواره الدورى إلى المستشفى العام حتى يصرف دواء القلب على « نفقة الدولة» .
الميسد كول هو الوسيلة المتعارف عليها بينها وبينه ليطمئنها خصوصا فى هذه الأيام عن أحواله : تناول إفطاره، فتح الكُشك، عاد إلى المنزل، خلد إلى الراحة . الرنات القصيرة هى حبل الود الممدود على غاربه مع زوجها وصاحبها، لم يمتعها الله بنعمة الإنجاب فاستغنت بماهر عن الدنيا وما فيها . تصرخ فى وجهه، تعايره، تهجر فراشه، تقذفه بكوب الشاى وهى تعلم أنه سيخطئ هدفه، لكنها لا تتصور حاشا لله حياتها من دونه .تحبه أو تعتاد عليه لم تعد تعرف، هى تعرف فقط أن دارها فى غيابه موحشة .
●●●
فى الحضانة خلعت رضا عباءتها البُنية وارتدت يونيفورما سماويا يزين جيبه العلوى شعار الملائكة، وأبدلت إيشاربا خفيفا مزركشا بطرحتها البيضاء السادرة، وتقمصت دور الأم الذى حُرمت منه مع عشرات من الأطفال أصغرهم عمره عام. لم يكن مطلوبا منها أن تُطعم الأطفال، أو تلاعبهم، أو تحرسهم فهذه المهام خارج نطاق عملها، لكن اتفاقا غير مكتوب سمح لها بأن تمارس مع الأطفال أمومتها وتخفف عن مشرفى الحضانة مسئولياتهم . وعندما حانت الساعة الحادية عشرة ولم تتلق من ماهر ميسد كول جديدا بدأ القلق يتسرب إلى نفسها، فقد كان من المفترض أن يكون زوجها قد خضع للكشف الطبى كالمعتاد وصرف الدواء وتأهب للعودة .
لكن لا بأس ربما تأخر الطبيب الشاب، ونحن نحتاج له يا ماهر لكنه لا يحتاجنا، هكذا كانت تُردَدِ على مسامعه فى كل مرة يتبرم فيها من لامبالاة الطبيب، وهكذا طَمأنتَ نفسها هذه المرة.
فى الساعة الثانية عشرة بدأت تدور فى فناء الحضانة بنصف عقل، فالموبايل لم يفارقها ومع ذلك لم يرن إلا عندما طلبتها مديرة الحضانة وعنفتها لنسيانها رفع بعض المهملات من غرفة اللعب. قررت أخيرا أن تستعوض الله فى ربع جنيه ثمن المكالمة و تطلب ماهر فلم يرد.
استأذنت مبكرا فى الساعة الواحدة وهرولت إلى بيتها ورأسها مشتعل بعشرات الأسئلة، اللهم اجعله خيرا تمتمت وهى تطرد فكرة شريرة تملكتها وصورت لها أن الأزمة القلبية إياها قد عاودت ماهر فلا هو قصد المستشفى ولا هو حتى كان قادرا على أن يطلبها على المحمول. فى طريقها إلى شقتها طاردتها الأسئلة المنبعثة من داخل المقهى والورشة والدكاكين: فيه حاجة يا رضا ؟ فلم ترد، هى لم تسمع أصلا . مع كل درجة راحت تصعدها من درجات السلم كان نبضها يعلو، حتى إذا وصلت إلى الدور الخامس بدا لها كأن نبضها تحول إلى مطارق تهوى على رؤوس الجيران فيصيحون أن « كفى عن الضجيج».
●●●
ممددا على الفراش كان ماهر . منهك لكنه حى يرزق. يرتدى جلبابه الأبيض فى لون الفل ورائحته . جلست على طرف سريره وهى تستعيد نبضها الطبيعى بالتدريج و تبارح الصفرة وجهها، أما الفضول فكاد يقتلها . أخبرها ماهر أنه بينما كان ممددا على طاولة الكشف سمع جلبة شديدة فى الخارج : ركض وتصايح وأبواب تصفد، أشار له الطبيب زافرا أن قم فها هو الهجوم نفسه يقوم به أولاد الحرام على المستشفى بعد أن جردوه من آلاته الطبية قطعة قطعة ،ماذا يريدون بعد؟. نصف مصدق نهض ماهر وقد سرى هدوء الطبيب إلى نفسه فلم ينفعل مع أنه عندما استعاد لاحقا ما حدث له ارتعش كأنه محموم . هَمَ بالخروج من الغرفة فاعترضه شاب قوى البنيان أشار له برأسه كى ينزع ساعته فنزعها طائعا، سبحان الله ترك البلطجية الناس الأصحاء وطاردوه هو المريض واستصعبوا السطو على نفائس المجوهرات واستسهلوا سرقة ساعته الرخيصة التى اشترتها له رضا من الموسكى قبل أعوام.
●●●
لم تعرف رضا على وجه اليقين هل تفرح لأن زوجها مازال معها أم تحزن لأن ساعتها حرمته من الحصول على الدواء حتى إشعار آخر، الأرجح أن شعورا بين بين قد تملكها. حانت منها التفاتة إلى معصم زوجها فوجدت الساعة قد تركت خطا أبيض يتخلل سمرته، ابتسمت فى وداعة، وربتت على كتفه قائلة : فداك ألف ساعة يا ماهر إحمد ربنا إنه ما شافش المحمول، ثم قامت كعادتها تجهز طعام الغداء.