المغرب هو ثانى دولة بعد مصر تقوم بإجراء تعديلات دستورية وتعتزم عرضها على استفتاء عام وشيك. تعديلات مصر جاءت بعد ثورة شعبية أطاحت نظاما مستبدا فاسدا، وتعديلات المغرب جاءت بعد سلسلة من الحركات الاحتجاجية لأسباب مختلفة، وكانت حركة 20 فبراير لشباب الفيس بوك هى أبرز تلك الحركات. هنا نلاحظ أنه مع أن الاحتجاج ليس كالثورة لأن كل ثورة يُفترض أن تأتى معها بدستورها منذ اللحظة الأولى إلا أن الناتج فى الحالتين المصرية والمغربية كان واحدا:
مجرد تعديلات. الأدهى هو أن حجم التعديلات على دستور 1996 فى المغرب أكبر بما لا يقاس من تلك التى دخلت على دستور مصر لعام 1971 مع أن تلك التعديلات والإعلان الدستورى الذى يضمها ستستمر لمدة سنة على الأقل من تاريخ الاستفتاء فى 19 مارس الماضى.
●●●
ولقد تعرضت لجنة التعديلات الدستورية فى المغرب للنقد كما تعرضت له لجنة التعديلات الدستورية فى مصر التى اختصت فصيلا سياسيا واحدا بالتمثيل فيها ولم يخضع عملها للتشاور مع أحد. هذا مع العلم بأن اللجنة المغربية أكثر اتساعا فى تكوينها لأنها ضمت ثمانية عشر عضوا بخلاف رئيسها الدكتور عبد اللطيف المانونى بينما تشكلت اللجنة المصرية برئاسة المستشار طارق البشرى من ثمانية أعضاء لا أكثر.
ثم أن لجنة المغرب رغم النقد الموجه لها عن حق كانت أكثر تمثيلا من اللجنة المصرية لأنها ضمت أربع نساء وعددا من الفقهاء الدستوريين وأساتذة العلوم السياسية والنشطاء فى مجال حقوق الإنسان واثنين من قوى اليسار (حزب التقدم والاشتراكية و حزب الاتحاد الاشتراكى للقوات الشعبية) لكن عابها غياب التيارات الإسلامية والليبرالية. وثمة ميزة أخرى تحققت للجنة المغربية بقيامها بعرض مسودة المشروع شفاهة على عدد من الأحزاب والنقابات المهنية لإبداء الرأى، فكان هناك من قبل الدعوة للتشاور ومن رفض الدعوة احتجاجا على عدم وجود نص مكتوب، هذا بخلاف بعض الأحزاب و النقابات التى لم توجه إليها الدعوة ابتداء وهذا بدوره عيب حقيقى.
فى تقييم مضمون التعديلات الدستورية المغربية هناك شق سلبى بالتأكيد يتمثل فى أن الملك ما زال يملك و يحكم ويتمتع بصلاحيات واسعة تنفيذية و تشريعية و قضائية تثبُت له كأمير للمؤمنين بنص الدستور. وبالتالى فمع أن التعديلات ألزمت الملك بتعيين رئيس الوزراء من الحزب الحاصل على الأغلبية البرلمانية و عززت من صلاحياته إلا أن هذا لم يجعل النظام المغربى نظاما ملكيا برلمانيا، كما ينص الفصل الأول من التعديلات الدستورية، سواء لعدم الفصل بين السلطات، أو لأن حرمة الملك لا تنتهك ولا يسائله أحد وهذا لا علاقة له البتة بالديمقراطية. هذا الشق إذن ليس فيه خبرة مغربية للتصدير، لكن فى المقابل هناك شق إيجابى آخر للتعديلات المذكورة أعرض له فى أربع نقاط كما يلى:
1- تأسيس الممارسة السياسية فى المغرب على قاعدة التوازن بين الأغلبية و المعارضة على نحو لا يسمح لأى أغلبية بأن تستقوى بشعبيتها وتأخذ النظام السياسى إلى حيث تريد و تلغى بذلك أى إرادة للمعارضة، و تتضح أهمية هذه النقطة عندما نتذكر أنه ليست كل شعبية انتخابية هى شعبية حقيقية بالضرورة. ولذلك فإننى أعتبر أن الفصل العاشر المخصص للمعارضة فى التعديلات الدستورية المغربية هو أهم فصول المشروع الجديد على الإطلاق. ففى هذا الفصل نصت التعديلات على اثنى عشر حقا للمعارضة البرلمانية أبرزها أن تتولى هذه المعارضة رئاسة اللجنة المكلفة بالتشريع داخل مجلس النواب، وهذا الأمر يجعل المعارضة شريكاَ أساسيا فى عملية صنع القوانين. وبالرجوع إلى الحالة المصرية فإن الاسترشاد بمثل هذا النص يمكن أن يخفف من حدة الاستقطاب السياسى بين التيارات الدينية من جهة والتيارات المدنية من جهة أخرى لأنه يلزم الطرفين بالعمل معا والتوافق على التشريعات التى يصدرها البرلمان.
2- التوسع الكبير فى حقوق الإنسان المنصوص عليها فى التعديلات الدستورية المغربية. ومع أن الأصل فى حقوق الإنسان هو أنها تتميز بالشمول وعدم القابلية للتجزئة إلا أن هناك حقوقا معينة تتضمنها التعديلات ولها أهمية خاصة فى الواقع المصرى. من تلك الحقوق ما يتعلق بحرية الرأى والتعبير والإبداع الأدبى والفنى، وبالشفافية والنزاهة ومحاربة الفساد، وبالحماية من الاعتقال التعسفى والاختفاء القسرى و التأثير على أحكام القضاء، وأيضا بتحصين المواطن ضد العنصرية والكراهية والعنف.
كما أن هناك الحقوق الخاصة بإدماج المغتربين فى شئون الوطن وتمكينهم ليس فقط من الحق فى التصويت لكن أيضا من الحق فى الترشيح فى الانتخابات البرلمانية، وهذا تجديد فى حقوق المغتربين يحتاج مزيدا من التوضيح. لكن فى كل الأحوال فإن منظومة حقوق الإنسان فى التعديلات المذكورة بالغة التطور ويمكن الاستفادة منها فى صياغة المبادئ الدستورية العليا المحصنة ضد التغيير بغض النظر عمن يصل إلى السلطة.
3- التعبير عن تنوع النسيج الاجتماعى المغربى على المستويين القومى والنوعى. قوميا من أهم ما جاءت به التعديلات الدستورية هو التحول بالأمازيغية إلى لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية واستحداث مجلس وطنى للغات واللهجات المغربية. ونوعيا تحتفى التعديلات الدستورية بالمرأة بشكل واضح فتخاطبها مع الرجل فى ثمانية فصول (14-16، 27، 30-31، 139، 154 ) بالقول « للمواطنين والمواطنات»، وتخصص لها فصلا كاملا (19) لتأكيد المساواة بينها وبين الرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وتنشئ لهذا الغرض هيئة للتكافؤ و مكافحة كل أشكال التمييز. ثم الفصل (34) الذى يتناول أوضاع الفئات الهشة ومنها النساء. وبالنظر إلى الحملة التى تتعرض لها المرأة المصرية من طرف التيارات الدينية المتشددة، وأخذا فى الاعتبار تكرار أحداث الفتنة الطائفية، و مطالب الجماعات المهمشة ومنها أهلنا فى النوبة، فإن استحداث هيئة لرصد مظاهر التمييز بحق هذه الأطراف والعمل على إزالتها ومحاسبة المسئولين عنها ومنع نشوء المزيد منها له بحق ما يوجبه.
4- أخيرا تنص التعديلات الدستورية المغربية على حصر حق إصدار الفتاوى فى جهة واحدة هى المجلس العلمى الأعلى الذى يترأسه الملك كما يرد فى الفصل (41). وقيمة هذا النص هى منع عشوائية الفتاوى الدينية واستباحتها من قبل جماعات ما أنزل الله بها من سلطان وكذلك أفراد، وبالتالى فإن تطوير النص المذكور فى الواقع المصرى ليصبح الأزهر هو المؤسسة الوحيدة المخولة بالإفتاء خاصة بعد انتخاب الإمام الأكبر يسد ثغرة كبيرة تطل منها رؤوس الفتنة فى اليوم الواحد مرات عديدة.
●●●
أخلص إلى أن مصر حولها خبرات دستورية ناشئة يمكن الاستفادة من النقاط الإيجابية فيها. ولئن قال قائل إنه لا شئ مضمونا فى ظل نظام غير ديمقراطى، فالرد أن المطلوب هو الإطلاع على صياغة المبادئ الديمقراطية وليس هو نقل سياقها غير الديمقراطى. فلقد أثرت فينا ثورة تونس وأثرنا نحن فى محيطنا الإقليمى، أما المطلوب الآن فهو نقل هذا التلاقح الصحى من مرحلة الفعل الثورى إلى مرحلة بناء الدولة.