مصر وتونس من الثورة إلى الدستور - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:39 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

مصر وتونس من الثورة إلى الدستور

نشر فى : الخميس 1 نوفمبر 2012 - 9:05 ص | آخر تحديث : الخميس 1 نوفمبر 2012 - 9:05 ص

فى مقال الخميس الماضى أبرزت بعض معالم مسودة الدستور التونسى، وفى هذا المقال أقارنها بمثيلاتها فى آخر مسودة للدستور المصرى فى 22 أكتوبر 2012.

 

 

 

فى مقابل تبلور معالم الهوية التونسية فى مسودة الدستور، سنجد الهوية المصرية غائمة مسطحة. ففى المادة الأولى الشعب المصرى جزء من الأمتين العربية والإسلامية، ويعتز بانتمائه لحوض النيل والقارة الأفريقية وامتداده الآسيوى، ويشارك بإيجابية فى الحضارة الإنسانية. هذا النص أفرغ العروبة من محتواها السياسى الموجود فى المادة الأولى من دستور 1971 التى تشير للالتزام بتحقيق الوحدة العربية الشاملة، واختصر علاقة مصر بمحيطها العربى فى البعد الجغرافى. فى المواد التالية نجد بعدا آخر هو البعد اللغوى للعروبة وذلك بالتأكيد على عروبة اللسان وأهمية تدريس اللغة العربية فى مختلف مراحل التعليم، وهذا يقينا مطلوب لكنه لا يُغنى عن البعد السياسى، ويعكس عدم تبلور أولويات السياسة الخارجية المصرية وما يسمى بدور مصر الإقليمى. فى الهوية أيضا نجد النظرة المصلحية نفسها التى تنظرها مصر لدول حوض النيل والتى تعتبر من أهم عوامل إساءة العلاقة بين الجانبين، فاختصاص حوض النيل بجملة مستقلة يعنى استمرار التعامل مع دوله كصنبور مياه لا أكثر. أما الكارثة الأخرى فهى موقع مصر على خريطة العالم، فكل علاقة مصر بهذا العالم هى أنها تشارك بإيجابية فى الحضارة الإنسانية، وخلا ذلك لم نجد إشارة واحدة لعلاقات مصر الدولية، ولا نصا واحدا يفيد احترام مصر معاهداتها الدولية بل مجرد نصوص تنظم استحداث المعاهدات الجديدة، بل نصادف دعوة لتعريب العلوم والمعارف وكان الأولى النص على إنتاج المعارف كما كان يفعل العرب الأوائل. فى مسودة دستور الثورة تقع مصر خارج السياق العالمى أو تكاد، وهذا يختلف بشدة عن مسودة دستور تونس التى تتحدث عن الانفتاح على مختلف الثقافات والتعاون مع شعوب العالم وحركات التحرر.

 

الغريب أنه فى مقابل المسافة السياسية مع العالم لا توجد مسافة اقتصادية، فلا نص على استقلال عملية التنمية فى مسودة الدستور المصرى. صحيح أن هناك إشارات لبعض متطلبات هذا الاستقلال مثل تشجيع الادخار المحلى وعدالة التوزيع لكن هناك غياب تام لمتطلبات أخرى أهمها ضبط علاقة الاقتصاد الوطنى مع الخارج، والتعاون التنموى مع دول الجنوب، ودور الدولة فى الإنتاج والاستثمار. هذه المتغيرات حللها باستفاضة الدكتور إبراهيم العيسوى فى دراسة عميقة عن نموذج التنمية المستقلة نشرت فى 2011. والنقطة نفسها غابت فى مسودة دستور تونس.

 

 

 

فى باب الحقوق والحريات نجد استفاضة كبيرة فى مسودة الدستور المصرى مقارنة بنظيرتها فى تونس، بل إن تلك الحقوق فى المسودة التونسية ليس لها باب خاص بل تأتى ضمن المبادئ العامة بينما أن الباب الثانى المنظم لتلك المسألة فى مسودة الدستور المصرى يضم 51 مادة كاملة. لكن هل هى صدفة أنه رغم هذا الاختلاف بين المسودتين فكلتاهما تخلوان من النص على الحق فى الحياة أول حقوق الإنسان!. كما لا يكفى فى المادة 39 من المسودة المصرية النص على حرية الاعتقاد دون ربطها بحرية ممارسة الشعائر الدينية، وهذه إضافة واجبة لضبط سلوك من « تؤذى مشاعرهم» عبادات الآخرين. ومن المفارقة أنه بينما رفض ممثلو التيار الدينى باستماتة تجريم الاتجار بالبشر فى مسودة الدستور المصرى، فإن الأخيرة تضمنت حظر تجارة الأعضاء فى المادة 38، وكأن الإتجار» القطاعى» فى جسد الإنسان محظور أما الإتجار فيه « بالجملة» فمباح. كذلك تهربت المسودة من النص على حق المرأة فى منح الجنسية لأبنائها، وهذا تفصيل أظنه لا يقل أهمية عن اشتراط المسودة حق الطفل فى اسم مناسب أو فى الفصل بين الأحداث من الجنسين. عموما موضوع حقوق المرأة فى الدستور كُتب فيه الكثير. على صعيد آخر تكرر النص على دور القاضى فى الضبطية القضائية، وهذا يصطدم بعدم توفر العدد الكافى من قضاة التحقيق بما ينذر بوجود جرائم لا تجد من يوقف مرتكبيها.

 

 

 

ومع أن مصر وتونس تذهبان إلى الأخذ بنظام الحكم المختلط، لكن توجد اختلافات عديدة بينهما. مبدئيا مصر تأخذ بالبرلمان ذى الغرفتين فيما تأخذ تونس ببرلمان الغرفة الواحدة، ومن الطريف أن ممثلى التيار الدينى فى مصر جاهدوا للنص على مبدأ الشورى فى المادة 6 ولم يعترضوا على تغيير اسم مجلس الشورى إلى مجلس الشيوخ. الأهم أننا لا نعرف سبب الإصرار على الاحتفاظ بمجلس الشورى أو الشيوخ ونحن نعلم الظرف التاريخى لنشأته وهو السيطرة على الصحف القومية. من الاختلافات الأخرى رجحان منصب رئيس الدولة فى مسودة الدستور المصرى، كمثال فإن رئيس الحكومة التونسية فى المادة 65 يستحدث وزارات ومؤسسات ويضبط اختصاصاتها بعد التداول مع الوزراء وإعلام رئيس الدولة، أما فى مصر فنجد ما يلى: يشترك رئيس الحكومة مع رئيس الجمهورية فى وضع السياسات العامة للدولة فى المادة 144، بينما يضع السياسات العامة للدولة وفقا للقوانين والقرارات الجمهورية فى المادة 164، أى أن رئيس الحكومة شريك لرئيس الجمهورية فى الحالة الأولى ويتلقى أوامره فى الحالة الثانية. وفى النص المصرى عبارات فضفاضة مثل تعيين الرئيس الموظفين العسكريين والمدنيين وعزلهم فى المادة 152. كما أنه يعلن الحرب فى المادة 151 بعد أخذ رأى مجلس الدفاع الوطنى وموافقة أغلبية مجلس النواب، وتلك أغلبية ضعيفة لأن الشعب هو من سيتحمل الآثار الاقتصادية والاجتماعية للحرب. ثم أن رئيس الجمهورية يعين قادة الأجهزة الرقابية التى ستراقبه بعد موافقة أغلبية مجلس الشيوخ وليس النواب فى المادة 203، إضافة إلى أنه لا وجود فى نص المادة 156 أى إشارة لمحاسبة الرئيس على مخالفة الدستور أو الانحراف بالسلطة فالنص فقط على الخيانة العظمى والجناية، أما فى تونس فيوجد تجريم لخرق الدستور فى المادة 64. وفى مصر يحل الرئيس مجلس النواب فى حالتين إحداهما عدم حصول الحكومة على موافقة المجلس رغم مساهمته فى تشكيلها وفق المادة 143، وكان يمكن الاكتفاء بإلزام النواب فى حالة تشكيل حكومة بموافقتهم بقبول البرنامج الذى تقدمه. هنا يلاحظ فى تونس أيضا إباحة حل الرئيس مجلس الشعب لو لم يوافق على الحكومة فى المادة 66. يضاف لما سبق التباس المادة 183 المتعلقة بتعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا فى مصر مما يسمح للرئيس بالتدخل فى التعيين، مع العلم بأن رقابة المحكمة الدستورية فى بعض الحالات سابقة لا لاحقة. أما فى تونس فرقابة المحكمة الدستورية العليا سابقة ولاحقة، لكنها تسمح بتدخل مجلس الشعب فى اختيار أعضاء المحكمة من خلال التصويت على مرشحين من قبل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس الشعب والمجلس الأعلى للسلطة القضائية.

 

تبقى الإشارة لوجود مواد حمالة أوجه فى الحالة المصرية تتعلق بمرجعية الأحزاب السياسية وبالتضامن المجتمعى فى حماية الأنفس والأعراض وبتفسير مبادئ الشريعة، ونحن نعلم أن كل الدساتير الديمقراطية تحرص على ضبط الصياغات ليكون المعنى فى ذهن لجنة الدستور هو نفسه المعنى فى ذهن الكافة، هذا إن كانت الديمقراطية هى ضالة دستور الثورة.

 

 

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات